نجت من الموت... وتواجه فكرة الانتحار بالرسم

02/04/2019 منوعات

آواز سليم عبدالله – السليمانية

بعد تجربة مريرة عانتها (ن) في حياتها، التجأت الى فنون الرسم لتعيد بناء نفسها من خلال الألوان ولوحات تجسد ما مرت به من ظروف اجتماعية قاهرة كادت ان تنهي حياتها.

لم تفكر في حياتها قط، انها تواجه عنف كادت ان تفقد حياتها بسببه. كانت فتاة جامعية متفوقة في حياتها الدراسية، لكنها ضاقت ذرعا بزوج أهملها بعد الزواج وحرمها من تحقيق طموحاتها، بعدما بذل جهدا كبيرا للزواج منها. أرادت ان تعمل بعد انهاء الدراسة أو تواصل دراستها وتحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه، إنما وجدت نفسها أمام فكرة الانتحار حرقاً في شقتها وحيدة.

تقول (نون) ان زوجها كان يغيب عن البيت طويلا بحجة العمل أو بحجة تواجده مع والدته التي تحتاج وجوده معها، اكتشفت مع مرور الزمن أنه كثير السهر مع أصدقائه بعد عدة شهور من زواجهما. مضيفةً " لقد ازدادت المشاكل بعد أن طلبت منه أن أعمل، لأن البقاء في البيت يقتلني، الأمر الذي رفضه بشدة متحججا بإن راتبه يكفي بكونه موظفا حكوميا، وقد بينت له ان عملي ليس لأجل كسب المال بل لأحقق ذاتي".  تترك (ن) البيت الزوجي بسبب منعها من العمل ومعاملة الزوج السيئة، وتعود إلى بيت أهليه، "لكنه عاد وأعتذر، ووعد بأن يلبي طلباتي، وعند عودتي أظهر العكس وعاد إلى أسلوبه السابق، بل تطورت الأمور لدرجة الإهانة والضرب وحتى الحبس بالمنزل".

كان يتركها لأيام في المنزل وحيدة، وفي ظلام دامس بسبب مشاكل الكهرباء، وصل الأمر ان يغلق الباب عليها عند مغادرته المنزل. حدثت مشاجرة بينهما مرة بسبب ذلك، وتطور الأمر  لضربها بشكل مبرح، "لقد ترك الضرب آثار على وجهي وجسدي، فقدت الوعي اثر ذلك، حينها فكرت بالانتحار خاصة، لم أرد العودة الى الأهل واشغالهم بهذه المشاكل، كنت أخشى على والدتي من الصدمات، خاصة انها تعاني من ارتفاع في ضغط الدم، لذلك كنت أخفي عنهم ما يحدث لي من العنف الإهانة".

 

محاولة الانتحار

تروي (ن) انها اتصلت بزوجها الغائب عن البيت مرة من خلال الهاتف لتضع حداً لمشاكلهما، لكنه سخر منها مجددا واستخف بشكواها، خاصة بعدما هددته بحرق نفسها إن لم يعد لفتح الأبواب وينهي كل المشاكل العالقة بينهما.

لقد أرادت ان تبين له إرادتها تثبت له حقيقة تهديها، أضرمت النار في جسدها في شقتها. لكنها سارعت في الوقت ذاته الى إطفاء النار بنفسها وإنقاذ جسدها من النار الملتهبة. ترشق نسفها بالماء تارة وتلفها بالأغطية الموجودة في غرفة الجلوس تارة أخرى. يقوم جيرانها بكسر الباب بعدما سماع صراخها ويتم ايصالها الى المستشفى. مكثت (ن) ما يقارب شهرين للتعافي في المستشفى، انما لم تمحو آثار الحرق على جسدها، الأمر الذي يقتضي الاستمرار في العلاج، فيما أحيل زوجها إلى التحقيق حيث تم حبسه لبعض الوقت واُطلق سراحه، ومازالت القضية في أروقة المحاكم لم تحسم حتى الآن.

تصاعد العنف ضد المرأة في كردستان

تتصاعد أعمال العنف ضد المرأة في عموم إقليم كردستان، حيث بلغت شكاوى النساء ضد الرجال أرقام كبيرة، بينها شكاوى تتعلق بالتعذيب والإهانة والقتل، بحسب مديرية مناهضة العنف ضد المرأة. وتؤكد المديرية على ان العنف بأشكاله الاجتماعية والجسدية ضد النساء في تزايد مستمر، وكذلك الحال بالنسبة للشكاوى من قبل النساء المُعنفات بشكل مباشر أو غير مباشر.

ويشير نائب المدير العام في مديرية مكافحة العنف ضد المرأة بوزارة الداخلية آري رفيق، الى ان القائمون على المنظمات والمؤسسات المدافعة عن المرأة يتكلمون عن القصص الأليمة الناتجة عن العنف القام على النوع الاجتماعي ضد المرأة، لنهار أو ليلة واحدة فقط، وخاصة أثناء حدوث حالات القتل. ويقول آري رفيق في هذا السياق، "من المفترض ان يكون لهم نشاط مستمر ومؤثر الى حين الوصول الى الحقيقة ومتابعة المحكمة ومصير الجاني"، مشيرا إلى أن المجتمع يكافح وينتقد على مواقع التواصل الاجتماعي ويقف ضد العنف، انما نرى عكس ذلك في الواقع المعاش.

وأوضح رفيق ان" عدد النساء اللواتي قتلن في كردستان وبشكل وحشي خلال الأعوام الأربعة الأخيرة وصل إلى 194 امرأة، ناهيك بأكثر من 700 امرأة انتحرن، للخلاص من جور المجتمع. وعلى الرغم من إعلان حملة مناهضة العنف ضد المرأة في إقليم كردستان، فإن الأرقام تخبرنا بأن تخصيص أسابيع للتصدي للعنف ضد المرأة لم يكن كافياً للقضاء على العنف ضد المرأة.

يذكر ان (ن) لا زالت تنتظر قرار المحكمة بشأن قضيتها، ذاك ان سلوك زوجها العنيف وحبسها في البيت دفعها لفكرة الانتحار حرقاً. وتقول بأنها "لن تتنازل عن القضية وتستمر بالمطالبة بحقها"، لكنها تشير الى وقوف مسؤولين سياسيين خلفه، لذلك لا يعير لأمر المحكمة اهتماماً.

وقد دفع ارتفاع حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد المرأة، حكومة الإقليم إلى التفكير في إيجاد حلول للظاهرة، ففي العام 2007، استحدثت وزارة الداخلية مديرية (متابعة العنف ضد المرأة)، ثم أدت جهود الحكومة والبرلمان والمنظمات النسوية إلى إصدار قانون في البرلمان باسم قانون مناهضة العنف الأسري.

يرى طه حسين وهو أخصائي نفساني، أن سوء العلاقات الزوجية يبدأ غالبا من الزوج، ولعل أكثر المشاكل الزوجية سببها الضغوط الاجتماعية، وفارق العمر بين الزوجين، وكذلك غياب الحب والعواطف في العلاقات الزوجية.  ويرى حسين بأن "المجتمعات الشرقية بعيدة عن المصارحة وقول الحقيقة، حيث تختلف العلاقات بعد الزواج ويظهر المخفي فيها، فضلا عن وقوع الشريكين تحت التزامات كثيرة ومسؤوليات لا يحتملاها بعد الزواج ويتهربان منها". ويشير الأخصائي في سياق حديثه الى تدخلات الطرف الثالث، ذوي الزوج أو الزوجة، مما يؤدي الى فقدان الخصوصية الزوجية. تؤدي كل هذه الأسباب برأي طه حسين الى عواقب تتمثل في العنف وحتى الكراهية، مثلما تؤدي إلى الانفصال.

في انتظار قرار المحكمة والوصول الى العدالة، تنتظر اجراء عمليات طبية أخرى، تعيد (ن) رسم حياتها من خلال لوحات تظهر فيها المرأة راقصة تارة، وجالسة بعينين مغمضتين في انتظار القادم تارة أخرى. ولم تنس ان ترسم آثار الحرق على وجهها أيضاً.

*تم انتاج هذه القصة ضمن مشروع منظمة انترنيوز لتدريب الصحافيين على كتابة التقارير الحساسة للنوع الاجتماعي

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group