النيويورك تايمز: وثائق مسربة تكشف تمسك إيران بزمام السلطة في العراق

قبل 3 اسابیع العراق

نشرت النيويورك تايمز تقريرا، يوم 17 تشرين الثاني 2019، حسب وثائق سرية للاستخبارات الايرانية سربت الى موقع الانترسبت، تشير الى دور ايران في ادارة السياسية العراقية، وذكرت النيويورك تايمز علاقة مسؤولين عراقيين بايران، وهو ما نفاه كثير منهم:

 نص التقرير:

 في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر)، ومع تصاعد الاضطرابات في بغداد ، نزل زائر مألوف بهدوء إلى العاصمة العراقية. كانت المدينة تحت الحصار لأسابيع، بينما سار المتظاهرون في الشوارع، مطالبين بوضع حد للفساد وداعين إلى الإطاحة برئيس الوزراء عادل عبد المهدي. وعلى وجه الخصوص، نددوا بالتأثير الضخم لجارتهم إيران في السياسة العراقية ، وحرقوا الأعلام الإيرانية وهاجموا قنصلية إيرانية (في كربلاء – المترجم).

كان الزائر هناك لاستعادة النظام ، لكن وجوده سلط الضوء على أكبر مظالم للمتظاهرين: كان هذا هو الجنرال قاسم سليماني ، قائد قوة القدس الإيرانية القوية ، وقد جاء لإقناع حليف في البرلمان العراقي بدعم رئيس الوزراء ليتمسك بوظيفته.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُرسل فيها سليماني إلى بغداد لمعالجة ما وقع من ضرر، فجهد طهران لدعم عادل عبد المهدي جزء من حملتها الطويلة للحفاظ على العراق كدولة عميلة يسهل التأثير عليها.

تقدم الوثائق الإيرانية المسربة، صورة مفصلة لكيفية عمل طهران بقوة على زج نفسها في الشؤون العراقية ، والدور الفريد لسليماني. الوثائق واردة في أرشيف لبرقيات الاستخبارات الإيرانية السرية التي حصل عليها The Intercept  موقع ومشاركته مع صحيفة نيويورك تايمز (الامريكية) لغرض اعداد هذا المقال، الذي ينشر في المؤسستين الاخباريتين كليهما في آن واحد.

يكشف التسرب غير المسبوق عن تأثير طهران الهائل في العراق، ويعرض تفاصيل سنوات من العمل المضني للجواسيس الإيرانيين لاختيار قادة البلاد  ودفع رواتب عملاء عراقيين يعملون لصالح الأميركيين لتبديل مواقفهم ، والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

تصف العديد من البرقيات واقع احابيل التجسس وكأنها صفحات انتزعت من سيناريو فلم تجسس مشوق.  ترتب  الاجتماعات في الأزقة المظلمة ومراكز التسوق أو تحت غطاء رحلة صيد أو حفلة عيد ميلاد. يتربص المخبرون في مطار بغداد ويلتقطون صوراً للجنود الأمريكيين ويحصون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف. ويسلك العملاء طرق متعرجة إلى الاجتماعات للتهرب من المراقبة. ويحصل العملاء على هدايا من الفستق والعطور والزعفران، وتقديم الرشاوى الى المسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر، ويحتوي الأرشيف حتى على تقارير مصاريف ضباط وزارة الاستخبارات في العراق منها تقرير بمبلغ 87.5 يورو انفق على هدايا لقائد كردي.

وفقًا لأحدى البرقيات الاستخباراية الإيرانية المسربة ، فإن عادل عبد المهدي، عمل عن كثب مع إيران في المنفى أثناء حكم صدام حسين في العراق ، وكانت له "علاقة خاصة مع  جمهورية إيران الإسلامية عندما كان وزيرا للنفط في عام 2014. الطبيعة الدقيقة لتلك العلاقة ليست مفصلة في البرقية، وكما حذر أحد كبار المسؤولين الأمريكيين السابقين  فإن "العلاقة الخاصة يمكن أن تعني عدة الأشياء، هذا لا يعني أنه عميل للحكومة الإيرانية". لكن لا يمكن لأي سياسي عراقي أن يصبح رئيساً للوزراء من دون مباركة إيران. وكان ينظر الى عبد المهدي ، عندما حصل على رئاسة الوزراء في عام 2018 ، على انه مرشح توفيقي مقبول لكل من إيران والولايات المتحدة.

البرقيات المسربة تقدم لمحة استثنائية داخل النظام الإيراني السري. وهي تكشف بالتفصيل مدى وقوع العراق تحت تأثيرالنفوذ الإيراني منذ الغزو الأمريكي في عام 2003، ما حول العراق إلى مدخل للنفوذ الإيراني الممتد جغرافيا من شواطئ الخليج إلى البحر المتوسط.

تؤكد تقارير الاستخبارات الإيرانية المسربة، إلى حد كبير، ما هومعروف بالفعل عن شدة قبضة إيران على السياسة العراقية. لكن التقارير تكشف أكثر بكثير مما كان معروفاً في السابق عن مدى استخدام إيران والولايات المتحدة للعراق مجالا لالعيبهما التجسسية. كما سلطت الضوء على السياسة الداخلية المعقدة للحكومة الإيرانية ، حيث تتصارع الفصائل المتنافسة مع العديد من التحديات نفسها التي واجهتها الاحتلال أثناء مساعيها لفرض الاستقرار العراق بعد الغزو الامريكي.

وتبين الوثائق كيف أن إيران ، في كل منعطف تقريبًا ، تفوقت على الولايات المتحدة في المنافسة على النفوذ.

يتكون الأرشيف المسرب من مئات التقارير والبرقيات التي كتبها بشكل أساسي ضباط وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية في عامي 2014 و 2015  من الذين كانوا يعملون في الميدان في العراق. تتمتع وزارة الاستخبارات، وهي النسخة الإيرانية من وكالة الاستخبارات المركزية ، بسمعة باعتبارها وكالة مهنية وتحليلية لكن طغت عليها ونقضتها، في كثير من الأحيان، نظيرها الأيديولوجي ، منظمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري الإسلامي، التي تأسست رسميًا كهيئة مستقلة عام 2009 بأمر من المرشد الأعلى لإيران ، آية الله علي خامنئي.

في العراق ولبنان وسوريا ، وهي دول تعتبرها إيران ذات اهمية حيوية لأمنها القومي ، يحدد الحرس الثوري، وخاصة قوة القدس النخبوية ، بقيادة سليماني، سياسات إيران. حيث يعين سفراء ايران لهذه الدول من قادة الحرس وليس من وزارة الخارجية  المشرفة على وزارة الاستخبارات، وفقًا لعدة مستشارين للحكومات الإيرانية الحالية والسابقة. وقالت هذه المصادر إن ضباطاً من وزارة الاستخبارات والحرس الثوري عملوا في العراق بالتوازي مع بعضهم. وارسلوا تقاريرهم الى مقارهم في التي تنظيمها في تقارير للمجلس الأعلى للأمن القومي.

كان إعداد المسؤولين العراقيين جزءً أساسيًا من عملهم، وما سهل الأمرتحالف عديد من القادة العراقيين مع إيران عندما كانوا ينتمون إلى جماعات معارضة تقاتل صدام حسين. كثير من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين في العراق أقاموا علاقات سرية مع طهران، وفقاً للوثائق. البرقية نفسها الصادرة في عام 2014 والتي  وصف "العلاقة الخاصة" لعبد المهدي ، سمت أيضًا عددا من الوزراء البارزين في حكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي بان لهم علاقات وثيقة مع إيران.

أكد محلل سياسي ومستشار في شؤون العراق للحكومة الإيرانية ، غيث قريشي، أن إيران ركزت على توثيق الصلة مع  مسؤولين رفيعي المستوى في العراق. وقال "لدينا عدد كبير من الحلفاء من بين القادة العراقيين من الذين يمكن أن نثق بهم وأعيننا مغلقة".

طُلب من ثلاثة مسؤولين إيرانيين التعليق على هذا المقال ، في استفسارات وصفت وجود البرقيات والتقارير المسربة. فرد علي رضا ميروسفي ، المتحدث باسم بعثة ايران لدى الأمم المتحدة، إنه خارج البلاد حتى وقت لاحق من هذا الشهر. ولم يرد ماجد طخترافانشي ، سفير إيران لدى الأمم المتحدة ، على طلب مكتوب سلم باليد إلى مقر إقامته الرسمي. ولم يرد وزير الخارجية محمد جواد ظريف على طلب عبر البريد الإلكتروني.

رفض حسن دانييفار ، سفير إيران في العراق من 2010 إلى 2017 ونائب قائد القوات البحرية للحرس الثوري سابقًا رفض في اتصال هاتفي التعليق على وجود ملف البرقيات والتقارير مباشرة اة مسألة تسريبها لكنه أشار إلى أن لايران اليد العليا في جمع المعلومات في العراق فقال "نعم ، لدينا الكثير من المعلومات من العراق حول قضايا متعددة ، خاصة حول ما كانت تفعله أمريكا، هناك فجوة واسعة بين واقع الاعمال الامريكية في العراق والتصورات بشأنها. لدي الكثير من القصص لأرويها".

وفقا للتقارير ، فبعد انسحاب القوات الأمريكية في عام 2011 ، تحركت إيران بسرعة لإضافة مخبرين سابقين لوكالة الاستخبارات المركزية إلى عملائها وبدأت بدفع رواتبهم. ويكشف  قسم غير مؤرخ من برقيات وزارة الاستخبارات أن إيران بدأت تجنيد جاسوس داخل وزارة الخارجية الامريكية. ليس واضحا ما الذي نجم عن ذلك لكن وفقًا للملفات، فقد بدأت إيران في مقابلة هذا المصدر وعرضت مكافأة العميل المحتمل براتب وعملات ذهبية وهدايا أخرى. لم يذكر اسم المقصود  في البرقية، لكن الشخص وصف بأنه قادر على تقديم "رؤى استخباراتية حول خطط الحكومة الأمريكية في العراق ، سواء كان ذلك للتعامل مع داعش أو أي عمليات سرية أخرى." واضاف التقرير " إن حافز المصدر للتعاون مالي". ورفضت وزارة الخارجية الامريكية التعليق على الموضوع.

أقر مسؤولون ايرانيون في مقابلات صحافية، أن إيران تعتبر مراقبة النشاط الأمريكي في العراق بعد ان غزته الولايات المتحدة امرا حيويا لبقائها ولأمنها القومي. فعندما أطاحت القوات الأمريكية بصدام ، نقلت إيران بسرعة بعض من أفضل ضباطها من كل من وزارة الاستخبارات ومن منظمة الاستخبارات للحرس الثوري إلى العراق ، وفقًا لمستشاري الحكومة الإيرانية وشخص ينتمي إلى الحرس. فقد كان الرئيس جورج دبليو بوش قد وصف إيران بانها جزء من "محور الشر" ،واعتقد القادة الإيرانيون أن طهران ستكون على رأس قائمة واشنطن في عمليات تغيير النظم بعد كابول وبغداد.

700  صفحة من المستندات

لا بد ان تتصدى الحكومات ، في انحاء العالم، لتسرب تقارير سرية او أو رسائل البريد الإلكتروني، من حين لاخر، كحقيقة في هذا الزمن. ليس الأمر كذلك في إيران ، حيث تخضع المعلومات لرقابة مشددة وهناك خشية شديدة من  أجهزة الأمن على نطاق واسع.

ارسلت نحو 700 صفحة من التقارير المسربة من مصدر مجهول إلى موقع The Intercept الذي ترجمها من الفارسية إلى الإنكليزية وشاركها مع صحيفة النيويورك تايمز. تحقق Intercept والتايمز من صحة المستندات ولكن لا يعرفان من سربها. جرى التواصل مع المصدر عبر قنوات مشفرة  ورفض مقابلة أحد المراسلين.وقال المصدر المجهول إنه يريد "إعلام العالم بما تفعله إيران في بلدي العراق".

تحتوي بعض التقارير على معلومات استخبارية أولية تكون دقتها مشكوك فيها، كحال الاتصالات الداخلية لأي جهاز تجسس، بينما يبدو ان اخرى تمثل آراء ضباط ومصادر المخابرات معبرين عن اهدافهم الخاصة.

تُظهر بعض البرقيات عدم يقين ساخر، كتلك التي تصف الجواسيس الإيرانيين الذين اقتحموا معهدًا ثقافيًا ألمانيًا في العراق، ليجدوا أن لديهم الرموز الخاطئة ولم يتمكنوا من فتح الخزائن. وتعرض ضباط اخرون لتقريع رؤسائهم في طهران بسبب الكسل ولارسالهم تقارير مستقاة من الأخبار.

ولكن يبدو أن عملاء وزارة الاستخبارات الموصوفين في الوثائق، صبورون ومحترفون ومهنيون إلى حد كبير. مهامهم الرئيسية هي منع العراق من الانهيار، ومن توسع المسلحين السنة على الحدود الإيرانية ومن انحدار البلاد الى حرب طائفية قد تجعل المسلمين الشيعة أهدافاً للعنف ومن بروز كردستان كدولة مستقلة ما يهدد الاستقرار الإقليمي وسلامة اراضي ايران. عمل الحرس الثوري والجنرال سليماني أيضًا على القضاء على الدولة الإسلامية ، ولكن مع تركيز أكبر على الحفاظ على العراق كدولة تابعة لإيران والتأكد من بقاء الفصائل السياسية الموالية لطهران في السلطة.

هذه الصورة هي الأكثر إثارة للانتباه في زمن التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران. فمنذ عام 2018، عندما انسحب الرئيس دونالد ترامب من الصفقة النووية الإيرانية وأعاد فرض العقوبات ، سارع البيت الأبيض بارسال السفن إلى الخليج، واستعرض الخطط العسكرية للحرب مع إيران. في تشرين الأول وعدت إدارة ترامب بإرسال قوات أمريكية إلى المملكة العربية السعودية في أعقاب الهجمات على منشآت النفط هناك التي اتهمت ايران بتدبيرها.

 أخبرهم أننا في خدمتك

لطالما كانت إيران وجودًا رئيسيًا في جنوب العراق بسبب الانتماء المذهبي المشترك والانتماءات القبلية التي تمتد عبر  حدود شبه مفتوحة. وقد فتحت ايران مكاتب دينية في المدن المقدسة في العراق ونشرت صورا للزعيم الإيراني آية الله الخميني في شوارعها. ودعمت ايران  بعض من أقوى الأحزاب السياسية في الجنوب، وارسلت الطلاب الإيرانيين للدراسة في الحوزات العراقية كما ارسلت عمال البناء الإيرانيين لبناء الفنادق وتجديد الأضرحة في العراق.

لكن رغم أن إيران ربما هزمت هزمت الولايات المتحدة في التنافس على النفوذ في بغداد، فقد عانت لكسب التأييد الشعبي في الجنوب العراقي. وكما أوضحت الأسابيع الستة الأخيرة من الاحتجاجات ، تواجه ايران تراجعا قويا بشكل غير متوقع. في جميع أنحاء الجنوب، فمقار الأحزاب السياسية العراقية المدعومة من إيران تحرق وقتل بعض قادتها، وهذا مؤشر على أن إيران ربما استهانت برغبة العراقيين في الاستقلال، ليس فقط من الولايات المتحدة ، ولكن أيضًا من جارتهم.

بمعنى ما ، يوفر ملف البرقيات الإيرانية المسربة سردًا نهائيًا للغزو الأمريكي للعراق عام 2003. فالظن بان الأميركيين سلّموا العراق إلى إيران عندما غزوه يحظى بقبول واسع ، حتى داخل الجيش الأمريكي. يعرض "تاريخ حرب العراق الأخيرة" الذي نشره الجيش الأمريكي في مجلدين ، تفاصيل العيوب الكثيرة للحملة و "تكلفتها المذهلة" في الأرواح والمال. قفقد ُتل ما يقرب من 4500 جندي أمريكي ومئات الآلاف من العراقيين، وأنفق دافعو الضرائب الأمريكيون ما يصل إلى تريليوني دولار على الحرب. وخلصت الدراسة ، التي تضم مئات الصفحات وتستند إلى وثائق رفعت عنها السرية ، إلى أن "إيران الواثقة من نفسها والتوسعية تبدو هي المنتصر الوحيد".

كان صعود إيران كلاعب قوي في العراق من نواح كثيرة نتيجة مباشرة لافتقار واشنطن إلى أي خطة بعد الغزو. كانت السنوات الأولى التي تلت سقوط صدام فوضوية ، سواء من حيث الأمن أو في نقص الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء. ، بدا الأمر، بالنسبة لمعظم المراقبين على الأرض كما لو أن الولايات المتحدة كانت ترتجل سياستها في الظلام.

من بين أكثر السياسات الأمريكية الاثار المفجعة لحل القوات المسلحة العراقية وتطهير جهاز الخدمة الحكومي أو القوات المسلحة الجديدة من أي عراقي كان عضواً في حزب البعث الحاكم في عهد صدام. هذه العملية ، المعروفة باسم اجتثاث البعث ، همشت، تلقائيًا، معظم الرجال السنة. فبعد ان باتوا عاطلين عن العمل ويشعرون بالاستياء ، شكلوا تمردًا عنيفًا استهدف الأمريكيين والشيعة الذين اعتبروهم حلفاء للولايات المتحدة.

مع اندلاع الحرب الطائفية بين السنة والشيعة ، نظر السكان الشيعة إلى إيران كحامية. وعندما سيطر داعش على الأراضي والمدن ، أدى ضعف الشيعة وفشل الولايات المتحدة في حمايتهم إلى تغذية الجهد الذي بذله الحرس الثوري والجنرال سليماني لتجنيد وتعبئة الميليشيات الشيعية الموالية لإيران.

وفقا لوثائق وزارة الاستخبارات، واصلت إيران الاستفادة من الفرص التي منحتها الولايات المتحدة لها في العراق. لقد جنت إيران ، على سبيل المثال ، مجموعة كبيرة من المعلومات الاستخباراتية عن الأسرار الأمريكية عندما بدأ الوجود الأمريكي في التراجع بعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2011. كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قد القت بالعديد من عملائها السريين الى الشوارع منذ فترة طويلة عاطلين عن العمل ومعوزين في بلد ما زال يعاني من الغزو، ويخشون أن يُقتلوا بسبب صلاتهم بالولايات المتحدة ، ربما من قبل إيران. وبسبب نقص الأموال ، بدأ الكثيرون في تقديم خدماتهم إلى طهران. وكانوا سعداء بإخبار الإيرانيين بكل ما يعرفونه عن عمليات وكالة المخابرات المركزية في العراق.

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 تحول احدهم،  وهو عراقي كان قد تجسس لصالح وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه)  وخشي من أن علاقاته بالأميركيين ستكلفه حياته ، تحول إلى جانب ايران. وبحسب برقية ايرانية عرفت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الرجل باللقب: "دوني براسكو"، اما مسؤوله الإيراني فوصفه ببساطة ب "المصدر 134992."

قال الرجل عندما انتقل إلى جانب ايران طلبا للحماية ، إن كل ما يعرفه عن جمع المعلومات الاستخباراتية الأمريكية في العراق معروض للبيع: مواقع البيوت الآمنة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية ؛ وأسماء الفنادق التي قابل فيها عملاء وكالة المخابرات المركزية ؛ وتفاصيل أسلحته والتدريب على المراقبة ؛ وأسماء العراقيين الآخرين الذين يعملون كجواسيس للأمريكيين.

المصدر 134992 أخبر العملاء الإيرانيين أنه كان يعمل لدى الوكالة لمدة 18 شهرًا ابتداءً من عام 2008 ، في برنامج يستهدف القاعدة. وقال إنه حصل على أجر جيد مقابل عمله - 3000 دولار شهريًا ، بالإضافة إلى مكافأة لمرة واحدة قدرها 20.000 دولار وسيارة.
اقسم الرجل على القرآن بأن أيام التجسس لصالح الولايات المتحدة انتهت، ووافق على كتابة تقرير كامل للإيرانيين عن كل ما يعرفه خلال عمله مع وكالة الاستخبارات المركزية.

أخبر الرجل مسؤوله الإيراني ، وفقًا لتقرير استخباري إيراني صدر عام 2014 ، "سأُحيل إليكم جميع الوثائق ومقاطع الفيديو التي لديّ من الدورة التدريبية". "والصور وتحديد ملامح زملائي المتدربين ومرؤوسي".ورفضت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التعليق.

يقول المسؤولون العراقيون إن الجواسيس الإيرانيين موجودون في كل مكان في الجنوب ، وكانت المنطقة منذ فترة طويلة خلية نحل للتجسس. في كربلاء في أواخر عام 2014 ، التقى ضابط مخابرات عسكري عراقي جاء من بغداد ، بمسؤول مخابرات إيراني وعرض عليه التجسس لصالح إيران، وإخبار الإيرانيين بكل ما في وسعه بشأن الأنشطة الأمريكية في العراق.

وقال المسؤول العراقي للضابط الإيراني ، بحسب إحدى البرقيات ، "إيران هي بلدي الثاني وأنا أحبها". وفي اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات ، عبر الضابط العراقي عن إخلاصه لنظام الحكم الإيراني ، حيث يحكم رجال الدين مباشرة ، وإعجابه بالأفلام الإيرانية.

قال إنه جاء برسالة من رئيسه في بغداد ، اللواء حاتم المكصوصي ، رئيس الاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع العراقية آنذاك: "أخبرهم أننا في خدمتكم. كل ما تحتاجه هو تحت تصرفهم. نحن شيعة ولدينا عدو مشترك. "

تابع رسول المكصوصي قائلاً: "كل معلومات مخابرات الجيش العراقي - اعتبرها لك". وأخبر ضابط المخابرات الإيراني عن برنامج الاستهداف السري الذي قدمته الولايات المتحدة للعراقيين ، وعرض تسليمه إلى الإيرانيين. وقال "إذا كان لديك جهاز كمبيوتر محمول جديد فاعطني اياه حتى أتمكن من تحميل البرنامج عليه".

وقال كان هناك المزيد. فقد منحت الولايات المتحدة العراق نظامًا شديد الحساسية للتنصت على الهواتف المحمولة ، والذي كان يستخدم من مكتب رئيس الوزراء ومقر المخابرات العسكرية العراقية. وقال "سأضع تحت تصرفكم أي معلومات مخابراتية تريدونها في شأن هذا الأمر".

نفى المكصوصي، في مقابلة معه ، وهو المتقاعد الآن ، انه  قال ما نسبته اليه الوثائق المسربة ونفى انه عمل في اي وقت لصالح إيران. لكنه أشاد بإيران لمساعدتها في محاربة داعش مضيفا انه حافظ أيضًا على علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة. وقال "لقد عملت من أجل العراق ولم أعمل لصالح أي دولة أخرى". "لم أكن مدير الاستخبارات للشيعة ، لكنني كنت مدير الاستخبارات لكل العراق."

وعند توجيه سؤال عن مضمون البرقية، قال مسؤول أمريكي سابق إن الولايات المتحدة كانت تعلم بعلاقات ضابط المخابرات العسكرية العراقية مع إيران وحدّت من حصوله على معلومات حساسة.

مرشح الأميركيين

بحلول أواخر عام 2014 ، كانت الولايات المتحدة ترسل من جديد أسلحة وجنودا الى في العراق، عندما بدأت تقاتل داعش (الدولة الإسلامية). وكانت لإيران أيضًا مصلحة في هزيمة المتشددين. وعندما سيطرت داعش على غرب العراق وشماله، انتقل شبان عراقيون بالحافلات إلى إيران من اجل التدريب العسكري.

اعتقد البعض داخل الحكومتين الأمريكية والإيرانية أنه يتعين على الخصمين تنسيق جهدهما ضد عدو مشترك. لكن إيران ، كما توضح البرقيات المسربة ، نظرت أيضًا إلى الوجود الأمريكي المتزايد كتهديد و "غطاء" لجمع المعلومات الاستخباراتية عن إيران.

وكتب أحد الضباط الإيرانيين: "ما يحدث في السماء فوق العراق يُظهر المستوى الهائل لنشاط التحالف". "يجب أن يؤخذ على محمل الجد الخطر على مصالح جمهورية إيران الإسلامية المتمثلة في نشاطها."

كان صعود داعش يدق إسفينًا بين إدارة أوباما وقسم كبير من الطبقة السياسية العراقية. كان باراك أوباما قد دفع باتجاه الإطاحة برئيس الوزراء نوري المالكي كشرط لتجديد الدعم العسكري الأمريكي. وأعرب عن اعتقاده أن سياسات المالكي الوحشية والحملات القمعية ضد السنة العراقيين قد ساعدت في صعود المتشددين.

كان المالكي ، الذي عاش في المنفى في إيران في الثمانينيات من القرن الماضي ، مفضلاً لدى طهران، بينما كان يُنظر إلى بديله، حيدر العبادي، الذي تلقى تعليمه في بريطانيا، على أنه أكثر ميلا للغرب وأقل طائفية. في مواجهة حالة عدم اليقين من مواقف رئيس الوزراء الجديد ، دعا حسن دانييفار ، سفير إيران في ذلك الوقت ، إلى عقد اجتماع سري لكبار الموظفين في السفارة الإيرانية ، وهو مبنى ضخم محصن خارج المنطقة الخضراء ببغداد.

مع تقدم الاجتماع ، أصبح من الواضح أن الإيرانيين ليس لديهم سبب يدعو للقلق بشأن الحكومة العراقية الجديدة. وصف العبادي بانه "رجلاً بريطانياً" و "مرشحًا للأمريكيين" ، لكن الإيرانيين اعتقدوا أن لديهم الكثير من الوزراء الآخرين في جيبهم. واحداً تلو الآخر ، أدرج دانييفار قائمة أعضاء مجلس الوزراء ، واصفا علاقاتهم بإيران.

إبراهيم الجعفري - الذي كان يشغل من قبل منصب رئيس الوزراء العراقي وبحلول أواخر عام 2014 كان وزيراً للخارجية - وصف، مثل عبد المهدي ، على أنه يتمتع "بعلاقة خاصة" مع إيران. وفي مقابلة صحافية ، لم ينكر الجعفري أن لديه علاقات وثيقة مع إيران ، لكنه قال إنه كان يتعامل دائمًا مع الدول الاجنبية على أساس مصالح العراق.

اعتمدت إيران على ولاء العديد من أعضاء مجلس الوزراء الأقل شأنا.

وقال التقرير إن وزراء البلديات والاتصالات وحقوق الإنسان "في وئام تام وواحد معنا ومع شعبنا." وقال إن وزير البيئة "يعمل معنا ، رغم أنه سني." اما بيان جبر، الذي كان وزيرا للداخلية العراقية عندما تعرض مئات السجناء للتعذيب حتى الموت بالمثاقب كهربائية أو اعدمتهم فرق الموت الشيعية بالرصاص فكان يعتبر "قريبًا جدًا" من إيران. وعند تعلق الأمر بوزير التعليم في العراق ، يقول التقرير ، "لن نواجه مشكلة معه".

كان وزراء البلديات والاتصالات وحقوق الإنسان السابقون جميعهم أعضاء في منظمة بدر ، وهي مجموعة سياسية وعسكرية أسستها إيران في الثمانينات لمعارضة صدام. أنكر وزير البلديات السابق وجود علاقة وثيقة مع إيران. واعترف وزير حقوق الإنسان السابق بقربه من إيران ، وأشاد بإيران لمساعدة العراقيين الشيعة خلال دكتاتورية صدام ومساعدتها العراق في هزيمة داعش. وقال وزير الاتصالات السابق إنه خدم العراق ، وليس إيران ، وأنه حافظ على علاقات مع دبلوماسيين من العديد من البلدان ؛ وقال وزير التعليم السابق إنه لم يكن مدعومًا من إيران وأنه خدم بناءً على طلب العبادي. ولم نتمكن من الوصول إلى وزير البيئة السابق للتعليق على ما جاء في المسربات.

تظهر هيمنة إيران على السياسة العراقية بشكل واضح في حلقة واحدة مهمة من خريف عام 2014 ، عندما كانت بغداد في قلب دوامة من جهات متعددة. فقد كانت الحرب الأهلية السورية مستعرة إلى الغرب ، واستولى مقاتلو داعش على ثلث العراق تقريباً ، وكانت القوات الأمريكية تتجه إلى المنطقة لمواجهة الأزمة المتفاقمة.

في خضم هذه الفوضى، رحب بيان جبر وزير النقل آنذاك، بالجنرال قاسم سليماني ، قائد قوة القدس  في مكتبه. جاء سليماني ليطالب معروفا: إيران بحاجة لنقل طائرات محمّلة بالأسلحة  عبرالمجال الجوي العراقي، اضافة الى غيرها من الإمدادات لدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد في معركته ضد المتمردين الذين تدعمهم الولايات المتحدة.

كان ذلك هو الطلب الذي وضع جبر في قلب التنافس الطويل بين الولايات المتحدة وإيران. كان مسؤولو إدارة أوباما يضغطون بقوة من أجل إقناع العراقيين بإيقاف الرحلات الجوية الإيرانية عبر مجالهم الجوي ، لكن وزير النقل العراقي وهو زجها لوجه مع  قائد قوة القدس رأى ان الرفض مستحيل.

يتذكر جبر أن الجنرال سليماني "جاء إليّ وطلب أن نسمح للطائرات الإيرانية باستخدام المجال الجوي العراقي للمرور إلى سوريا" ، وفقًا لأحد البرقيات. لم يتردد وزير النقل ، وبدا الجنرال سليماني سعيدًا، فقلت ،" من عيني!" أخبر جبر ضابط وزارة الاستخبارات. "ثم نهض واقترب مني وقبل جبهتي."

أكد جبر الاجتماع مع الجنرال سليماني ، لكنه قال إن الرحلات الجوية من إيران إلى سوريا حملت الإمدادات الإنسانية والحجاج الدينيين المسافرين إلى سوريا لزيارة الأماكن المقدسة ، وليس الأسلحة والإمدادات العسكرية لمساعدة الأسد كما يعتقد المسؤولون الأمريكيون.

في هذه الأثناء ، تعرض المسؤولون العراقيون المعروفون بأن لهم علاقة مع الولايات المتحدة لتدقيق خاص واتخذت إيران تدابير لمواجهة النفوذ الأمريكي. في الواقع ، يظهر الكثير من الملفات أنه بينما التقى كبار الدبلوماسيين الأمريكيين خلف الأبواب المغلقة مع نظرائهم العراقيين في بغداد ، كانت محادثاتهم تُرسل بشكل روتيني إلى الإيرانيين.

خلال عامي 2014 و 2015 ، عندما استقرت الحكومة العراقية الجديدة ، التقى السفير الأمريكي ، ستيوارت جونز ، كثيرًا مع سليم الجبوري ، الذي كان رئيسًا للبرلمان العراقي حتى العام الماضي. كان من المعروف أن الجبوري ، على الرغم من كونه سنيًا ، فان له علاقة وثيقة مع إيران ، لكن الملفات تكشف الآن أن أحد كبار مستشاريه السياسيين - المعروف باسم المصدر 134832 - كان أحد عملاء المخابرات الإيرانية. وقال المصدر لمسؤوله  الإيراني: "أنا حاضر في مكتبه يوميًا واتابع اتصالاته بعناية مع الأميركيين". قال الجبوري ، في مقابلة صحافية، إنه لا يعتقد أن أي شخص في فريقه كان يعمل كوكيل لإيران ، وأنه يثق تماما بمساعديه. بينما رفض السفيرجونز التعليق.

وحث المصدر الإيرانيين على تطوير علاقات أوثق مع الجبوري ، لعرقلة الجهود الأمريكية لرعاية فئة جديدة من القادة السنة من الشباب في العراق وربما لتحقيق المصالحة بين السنة والشيعة. وحذر المصدر من أنه يتعين على إيران أن تتصرف لمنع رئيس البرلمان من "الانزلاق إلى موقف موالي لأمريكا ، لأن إحدى خصائص سليم الجبوري هي الميل الى تصديق ما يقال والتسرع في اتخاذ القرارات."

يكشف تقرير آخر أن نيجرفان بارزاني ، رئيس وزراء كردستان آنذاك، التقى بكبار المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين وحيدر العبادي ، رئيس الوزراء العراقي ، في بغداد في ديسمبر 2014 ، ثم توجه على الفور ليقابل مسؤول إيراني لإخباره بكل شيء . من خلال متحدث رسمي ، قال بارزاني إنه لا يذكر مقابلة أي مسؤول إيراني في ذلك الوقت ووصف البرقية بأنه "لا أساس لها من الصحة ". وقال إنه "ينفي تمامًا" إخبار الإيرانيين بتفاصيل محادثاته مع الدبلوماسيين الأمريكيين والبريطانيين.

في بعض الأحيان ، رأى الإيرانيون أيضًا قيمة تجارية في المعلومات التي تلقوها من مصادرهم العراقية.

كشف تقرير من مستشار الجبوري أن الولايات المتحدة مهتمة بالوصول إلى حقل غني بالغاز الطبيعي في عكاز قرب حدود العراق مع سوريا. وأوضح المصدر أن الأميركيين قد يحاولون في نهاية المطاف تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا ، وهي سوق رئيسي للغاز الطبيعي الروسي. ضابط وزارة الاستخبارات كتب باهتمام برقية إلى طهران ، "من المناسب استخدام المعلومات المذكورة أعلاه في تبادل للمعلومات مع الروس وسوريا". وقد كتب البرقية بينما كانت روسيا تصعد بشكل كبير من مشاركتها في سوريا ، وبينما واصلت إيران تعزيزها العسكري هناك ، لدعم الأسد.

وعلى الرغم من أن إيران كانت في البداية تشك في ولاءات العبادي ، إلا أن تقريرًا كُتب بعد بضعة أشهر من وصوله إلى رئاسة الوزراء أشار إلى أنه كان على استعداد تام لإقامة علاقة سرية مع المخابرات الإيرانية. يفصل تقرير صدر في يناير 2015 عن لقاء خاص بين العبادي وضابط في وزارة الاستخبارات يُعرف باسم بروجردي ، عُقد في مكتب رئيس الوزراء "دون وجود سكرتير أو شخص ثالث".

خلال الاجتماع ، تناول بوروجردي الانقسام السني - الشيعي في العراق ، بحثًا عن موقف العبادي من الموضوع الأكثر حساسية في السياسة العراقية. "اليوم ، يجد السنة أنفسهم في أسوأ الظروف الممكنة وفقدوا ثقتهم بأنفسهم" ، قال ضابط المخابرات ، بحسب البرقية. "السنة مشردون ، مدنهم مدمرة ومستقبل غير واضح ينتظرهم ، في حين أن الشيعة يستطيعون استعادة ثقتهم بأنفسهم". واصل بوروجردي القول بان الشيعة في العراق "عند نقطة تحول تاريخية". يمكن للحكومة العراقية وإيران "الاستفادة من هذا الوضع". ووفقًا للبرقية ، عبر رئيس الوزراء عن "موافقته الكاملة". وعندما سألنا العبادي رفض التعليق.

حلاوة في المرارة

منذ بدء حرب العراق في عام 2003 ، قدمت إيران نفسها كحامية للشيعة في العراق ، وقد استخدم الجنرال سليماني ، أكثر من أي شخص آخر ، فنون التجسس المظلمة والعمل العسكري السري لضمان بقاء القوة الشيعية في الصدارة. لكن ذلك جاء على حساب الاستقرار ، حيث حرم السنة بشكل دائم من حقوقهم ما دفعهم الى التطلع إلى جماعات  أخرى ، مثل الدولة الإسلامية ، لحمايتهم.

كانت مجزرة السنة في المنطقة الزراعية المعروفة بجرف الصخر عام 2014 مثالًا حيًا على أنواع الفظائع الطائفية التي ارتكبتها الجماعات المسلحة الموالية لقوة القدس الإيرانية والتي أزعجت الولايات المتحدة طوال حرب العراق ، وقوضت جهود المصالحة. وكما توضح التقارير الميدانية ، فقد اتفقت وزارة الاستخبارات الإيرانية مع بعض المخاوف الأمريكية. هذا يشير إلى انقسامات داخل إيران حول سياساتها في العراق بين عناصر أكثر اعتدالا في عهد الرئيس حسن روحاني والفصائل المسلحة مثل الحرس الثوري.

جرف الصخر ، التي تقع شرق الفلوجة مباشرة في وادي نهر الفرات ، غنية باشجار البرتقال وبساتين النخيل، اجتاحها تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014 ، ما أعطى المقاتلين موطئ قدم يمكنهم من خلالها شن هجمات على مدينتي كربلاء والنجف المقدستين.

جرف الصخر مهمة أيضًا لإيران لأنها تقع على طريق يستخدمه الحجاج الشيعة للسفر إلى كربلاء خلال شهر محرم ، حيث يذكر الشيعة بحزن مقتل حفيد النبي محمد ، الإمام الحسين .

وعندما طردت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران مقاتلي داعش من جرف الصخر في أواخر عام 2014 ، وكان ذاك أول انتصار كبير على داعش ، أصبحت مدينة أشباح. ولم تعد تشكل تهديدًا لآلاف الحجاج الشيعة الذين يمرون بها ، لكن فوز إيران جاء بتكلفة عالية لسكان المدينة السنة. فقد شرد عشرات الآلاف، وعثر على العضو السني الوحيد في المجلس الإقليمي  وقد اخترقت رصاصة رأسه.

تصف احدى البرقيات الأضرار بعبارات تعبر عن هول ما جرى. "نتيجة لهذه العمليات" ، يقول مؤلفها ، "تم تطهير المنطقة المحيطة بجرف الصخر من عملاء إرهابيين وهجرت عائلاتهم ، ودمرت القوات العسكرية معظم منازلهم وسيتم تدمير البقية. في بعض الأماكن ، تم اقتلاع بساتين النخيل لحرقها لمنع الإرهابيين من الاحتماء بها، اما قطعان الماشية فهي سائبة ".

إن عملية جرف الصخر وغيرها من الأعمال الدموية التي قادها وكلاء إيران وتوجيهها من طهران زادت من عزلة السكان السنة في العراق ، وفقًا لأحد التقارير ، الذي يشير إلى أن "تدمير القرى والمنازل ونهب ممتلكات السنة والماشية حولت حلاوة النجاح "ضد داعش الى" مرارة ". يكشف احد تقارير جرف الصخر تأثير الميليشيات الشيعية بعبارات صارمة بشكل خاص:" في جميع المناطق التي تدخل فيها قوات الحشد الشعبي ، فر السنة وهجروا منازلهم و تركوا متلكاتهم ، ويفضلون العيش في الخيام كلاجئين أو يقيمون في المخيمات ".

تخشى وزارة الاستخبارات من تبديد المكاسب الإيرانية في العراق لأن العراقيين باتوا يكرهون الميليشيات الشيعية وقوة القدس التي رعتهم. قبل كل شيء ، ألقى ضباطها اللوم على الجنرال سليماني ، الذي رأوا أنه خطير ويعلي من شأن نفسه ر باستخدام حملة مناهضة لداعش كمنطلق لدور سياسي في إيران. ينتقد أحد التقارير، الذي ذكر ان قوة القدس لن تطلع عليه، ينتقد الجنرال شخصيا لابرازه دوره الرائد في الحملة العسكرية في العراق من خلال "نشر صور لنفسه على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة".

ما فعله سليماني  جعل من الواضح أن إيران تسيطر على الميليشيات الشيعية المروعة – وهي هدية محتملة لخصومها. وقال التقرير: "هذه السياسة الإيرانية في العراق" سمحت للأميركيين بالعودة إلى العراق بشرعية أكبر. والمجموعات والأفراد الذين كانوا يقاتلون ضد الأميركيين بين السنة يتمنون الآن ألا تدخل أمريكا وحدها، بل وحتى إسرائيل، العراق وتنقذ العراق من براثن إيران".

في بعض الأحيان ، سعى الإيرانيون إلى مواجهة النتائج السيئة لوجودهم في العراق بحملات القوة الناعمة التي تشبه الجهد الامريكي في كسب "القلوب والعقول". وعلى أمل الحصول على "ميزة دعائية واستعادة صورة إيران بين الناس ، وضعت إيران خطة لإرسال أطباء الأطفال وأطباء النساء إلى القرى في شمال العراق لإدارة الخدمات الصحية ، وفقًا لتقرير ميداني واحد. ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت هذه المبادرة قد تحققت.

كما في كثير من الأحيان ، سوف تستخدم إيران نفوذه للحصول على صفقات التنمية المربحة. فمع اعتماد العراق على إيران للحصول على الدعم العسكري في الحرب ضد داعش ، تقول إحدى البرقيات إن قوة القدس تتلقى عقود النفط والتنمية من الأكراد العراقيين في مقابل الأسلحة وغيرها من المساعدات. في الجنوب ، مُنحت إيران عقودًا لانشاء  المجاري ولتنقية المياه بدفع رشوة قيمتها 16 مليون دولار لأحد أعضاء البرلمان ، وفقًا لتقرير ميداني آخر.

اليوم، تعمل إيران للحفاظ على هيمنتها في العراق ، مثلما فعل الأمريكيون بعد غزو عام 2003. وفي الوقت نفسه، يشعر المسؤولون العراقيون بقلق متزايد من أن يؤدي الاستفزاز في العراق من أي جانب إلى اندلاع حرب بين الدولتين المتنافستين من أجل الهيمنة على وطنهما. في ظل هذه الخلفية الجيوسياسية، تعلم العراقيون منذ زمن بعيد اتباع نهج براغماتي تجاه مبادرات جواسيس إيران - حتى العراقيين السنة الذين ينظرون إلى إيران كعدو.

"ليس فقط إنه لا يؤمن بإيران، لكنه لا يعتقد أن لايران نوايا حسنة تجاه العراق"، كتب أحد ضباط الاستخبارات الإيرانيين في أواخر عام 2014، عن مجند مخابرات عراقي وصفه بأنه بعثي عمل سابقًا من أجل صدام حسين وفي وقت لاحق عمل لوكالة المخابرات المركزية. "لكنه جاسوس محترف ويفهم حقيقة إيران والشيعة في العراق وسيتعاون لإنقاذ نفسه".

إنتهى

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group