البث الحي

عربي

کوردی

نوا ميوزك

كتب التاريخ المدرسية

د. لاهاي عبد الحسين

قبل 1 أسبوع

تولي الدول التي تهتم بأنظمتها التعليمية عناية كبيرة بالكتاب المنهجي المقرر لأنّه أحد المصادر الرئيسية التي يعود إليها الطلبة مراراً وتكراراً وبالتفاصيل الدقيقة بغية النجاح كهدف قريب وبناء الهوية الوطنية كهدف أساسي وبعيد. كما تشجع هذه الدول المنافسة على هذا الصعيد من خلال السماح بتعدد المقاربات المنهجية والنظرية مما يترك حيزاً واسعاً للمدرسين على مستوى التعليم الثانوي والجامعي لإختيار ما يرونه أكثـر إنسجاماً مع توجهاتهم العلمية دون التعارض مع المصالح الوطنية العليا للبلاد. ولهذا السبب إنتشرت مؤسسات نشر متخصصة بطباعة الكتاب المنهجي تعمل على الترويج له من خلال إرسال نسخ مجانية بصيغة هدايا للمعنيين بتدريسه لعلهم يقتنعون بأهليته ويستخدمونه مرجعاً لهم ولطلبتهم ويتعاقدون بعد ذلك لطلب كميات منه تعود بالمنفعة على الطرفين، التدريسي والناشر.

على الضد من هذا، فإنّ الكتاب المنهجي في العراق يخضع لسياسة مركزية ويتبع صيغة موحدة تلزم المدارس على وجه الخصوص في طول البلاد وعرضها على اتباعها مما يحول دون تطويره نتيجة غياب عامل المنافسة والحد من الترويج له تبعاً لذلك. 

في العراق هناك مديرية متخصصة في وزارة التربية تدعى مديرية المناهج تتولى مهمة العناية بالكتاب المدرسي المركزي والموحد. وهذه تنقسم إلى لجان متخصصة من حيث المادة العلمية المقررة ومن حيث المرحلة. أي أنّ هناك لجان تعنى بمواد معينة مثل اللغة العربية والتاريخ والجغرافية واللغة الإنكليزية، إلخ. وتعمل هذه اللجان أيضاً بصورة منفردة لكل مرحلة دراسية على حدة وهي تتكون من عدد من الموظفين المتفرغين للعمل ممن يعملون كفريق يشتمل على منضد ومقوم علمي ومقوم فني ومشرف. ويتواصل هؤلاء مع كتّاب متخصصين من التدريسيين في الجامعات العراقية وبخاصة جامعة بغداد التي تأخذ حصة الأسد في هذا المجال من أجل كتابة الكتب المقررة. وتقدم الوزارة مكافآت مجزية لمن يساهم في كتابة هذه الكتب خلال فترات زمنية كافية بصورة متفق عليها بين الطرفين. لذلك، يمكن القول إنّه من النواحي الفنية فإنّ الوزارة تعبئ إمكانات ممتازة على هذا الصعيد. المشكلة في التطبيق وإنجاز العمل بصيغته النهائية حتى يصل إلى أيادي الطلبة المستهدفين. في دراسة قمت بها ركزت فيها على كتب التاريخ المدرسية على مستوى الدراستين المتوسطة والإعدادية وتم تقديمها في مؤتمر مركز البيان وبالتعاون مع مؤسسة كونراد الألمانية في بغداد لوحظ أنّ هذه الكتب تعاني من إشكالات كثيرة وفي غاية الجدية. فقد كتبت هذه الكتب بطريقة شابها الكثير من الأخطاء سواء على مستوى الأسلوب أو الطباعة أو على مستوى احترام قواعد اللغة، إبتداءاً مما يشي بإحتمال تهرب الطلبة من قراءتها بسبب عدم الإستمتاع بها لوعورتها وقلة التنظيم فيها. ولعل أحد أبرز ما تتصف به هذه الكتب ولكافة المراحل الدراسية المذكورة أنّها تقدم مادة غير متماسكة من النواحي العلمية لما تنطوي عليه من أخطاء بعضها شكلي والكثير منها جوهري. فهل يعقل أنْ تدفع حضارة وادي الرافدين إلى ما بعد حضارات إنسانية أخرى ظهرت في المنطقة من قبيل الحضارة الساسانية واليونانية والرومانية والهندية. جاء ذلك في كتاب الصف الأول المتوسط في الفصل السادس المعني بالحضارات القديمة. 

التاريخ علم مثل كل العلوم الأخرى يتطلب من بين ما يتطلبه إستخدام أدوات البحث المتعارف عليها إبتداءً بالفكرة أو الفرضية وإنتهاءً بالحجة والدليل ليخلص إلى ما يدعمها أو يفندها. حينها يفترض أنْ تقدم النتيجة للقارئ والمستفيد مجردة من الإضفاءات والإستخدامات اللغوية والتأويلية التي تهدد بنزع صفة العلم عنها وتجعلها هدفاً سهلاً للتفسيرات الأيديولوجية المنحازة بطبيعتها. وهذا ما يلاحظ حول كتب التاريخ المدرسية المستخدمة في المدارس العراقية التي تضج بالكثير من الإضفاءات المعاصرة التي تخلع عنها صفتها التاريخية وتساهم في تسطيحها. خذ على سبيل المثال الإدعاء بأنّ العراقيين القدماء عرفوا الديموقراطية وشكلوا المجالس النيابية وأنّ عرب الجزيرة عرفوا وثيقة حقوق الإنسان وأهتموا بحقوق الطفل. وعند التطرق إلى نظام الخلافة الإسلامية نقرأ أنّه نظام انتخابي ديموقراطي ولكنّه لم يخل من إدخال نظام السلطة بالوراثة الذي ابتدعه الأمويون!. وفيما يجول الطالب في كم من المعلومات حول موضوع معين تقحم عبارات بعيدة عن الموضوع تمنع بالمحصلة من تحقيق التراكم العلمي والتسلسلي المطلوب. تطعم الصفحة أو الفصل الدراسي الواحد بمقتطفات ذات صلة تعزز معارف الطالب وتدفعه للتبحر كما في تقديم مقولة أو جزء من خطبة معروفة أو بيانات ذات صلة بالموضوع أو الشخصية مع تذكيره بألا يكون مسؤولاً عنها لأغراض الإمتحان. إلا أنّ هذا شيء والخروج عن الموضوع من خلال إقحام عبارات ناتئة تتناول البيئة وضرورة الإهتمام بالنظافة في فصل يتناول معركة من معارك العرب القدماء شئ آخر.

يظهر التحيز والإنتقائية المضللة للطالب في الفصل الخاص بالثورات في تاريخ العالم الحديث في كتاب الصف السادس الأدبي حيث يتم التطرق إلى ثورتين شعبيتين عالميتين معروفتين هما الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية فيما توصف ثورة أوكتوبر الأشتراكية عام 1917 بأنّها "انقلاب"، وتهمل كذلك الثورة الإسلامية في إيران 1979. معروف إنّ كلتيهما ثورتان شعبيتان أحدثتا تغييراً جوهرياً في بنية المجتمعين اللذين ظهرتا فيه واستحقتا أنْ تذكرا وتدرسا إلى جانب الثورتين الفرنسية والأمريكية. لا يخفى ما لثورة أوكتوبر الأشتراكية من دور مهم لتخليص شعوب روسيا القيصرية من النظام الإقطاعي الذي كان يسمح ببيع الإنسان وعائلته من قبل الإقطاعي كما لو كان قطعة أثاث. وكذلك الثورة الإسلامية في إيران التي أقامت نظام حكم يختلف تمام الإختلاف عن نظام حكم الشاه. كلاهما ثورتان شعبيتان مهمتان. ومعا فإنّ الثورات الأربعة المذكورة تعتبر ثورات يحسن بالطالب المعاصر أنْ يحيط بهما.

من جانب آخر، لا يظهر كتّاب التاريخ نزعة علمية تحض على التساؤل وإعادة النظر فيما أشيع من أفكار بصدد شخصيات مهمة مرت في تاريخ العراق الحديث كما في تناول شخصيتي نوري السعيد ورشيد عالي الكيلاني. ففي هذا المجال تظهر النزعة السياسية الدوغماتية التي تصف نوري السعيد بإعتباره عميلاً بريطانياً فيما يقدم رشيد عالي الكيلاني على أنّه بطل قومي. قد تكون الحقيقة في تساويهما وتميزهما بقناعات سياسية متماثلة من حيث الجوهر حيث نظر السعيد إلى أنّ مصلحة العراق آنذاك تقتضي المحافظة على الإرتباط ببريطانيا فيما كانت للكيلاني وجهة نظر مطابقة من حيث الجوهر ولكنها مختلفة من حيث الشكل رأى من خلالها أنّ مصلحة العراق مع المانيا وليس بريطانيا. وهذا أمر يتحمل مسؤوليته كتّاب التاريخ لهذه الكتب ممن لم يخضعوا للسؤال هاتين الشخصيتين السياسيتين ودورهما في صياغة واقع العراق المعاصر. وتكرر هذا مع قضايا كثيرة أخرى.

على صعيد الشخصيات العلمية والثقافية التي أثرت في واقع المجتمع فإنّ كتاب التاريخ للصف السادس الأدبي يضمن أنْ يتعرف الطالب العراقي على أسماء عربية مهمة مثل عبد الرحمن الكواكبي وعبد العزيز الثعالبي وناصيف اليازجي ويكتفي بالسيد محمد سعيد الحبوبي من العراق. وأهملت شخصيات عراقية مهمة أخرى كان عملها وإنجازها سجلاً لمراحل مهمة في تاريخ العراق الحديث كما في محمد مهدي الجواهري ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي وعلي الوردي وعبد الفتاح ابراهيم وغيرهم. 

لوحظ أيضاً أنّ كتب التاريخ تخلو من مناقشة عقلانية وعلمية تحترم مستوى ذكاء الطالب وتشجعه على التفكر فيما يتعلق بدور المعارضة السياسية التي ظهرت في ظل أنظمة حكم متعددة سواء في ظل دولة الخلفاء الراشدين أو الدولة الأموية أو العباسية وفيما بعد الإمبراطورية العثمانية. فالمعارضة وحركات التمرد تظهر نتيجة عوامل تتعلق بالتفاوت الطبقي والشعور بالظلم والتفرقة بين الشعوب وما إليها. إلا أنّ كتب التاريخ المدرسية تتناول ذلك بصيغة التفاخر بالقضاء عليها والتخلص من مدبريها عبر كل هذه العهود المذكورة. وكذلك الحال فيما يتعلق بأنظمة فكر جلبت العار والهزيمة للإنسانية من قبيل الفاشية والنازية التي يتم التطرق إليها دون التوقف عند معانيها وأسباب تطورها وظهورها ليعي الطالب مخاطرها ويساهم في تحريره من بذور التعصب والإنغلاق القومي والمذهبي.

لعل جزءاً مهماً من المشاكل التي تمّ التطرق إليها هنا عدم وجود لجان موحدة تتمتع برؤية فلسفية واضحة تقود المشتغلين وفقها بما يسمح بإنتاج متطور يمكّن الطلبة من تطوير هويتهم الوطنية القوية بإستقلالية وحيادية. هذا إلى جانب أنْ يتعلم الطلبة عن مجتمعهم بإيجابية ودقة وتجرد. ويبقى التحدي قائماً من خلال ما يتلقاه الطلبة الشباب على مستوى العائلة لضمان إنسجام مناهج التعليم مع ما يتعلمونه في المدرسة الأولى، عائلته مما يتطلب العودة إلى نظم التواصل مع مجالس الآباء والأمهات لضمان بناء هوية وطنية لا تشوبها الشوائب. هذا إذا ما أريد للعراق أنْ يعتق من الرسائل المتضادة والتعاليم المتضاربة التي أسهمت حتى اليوم بنسيج اجتماعي فضفاض يعوزه التكامل والتساند المطلوب مع بعضه البعض.

ترددات نوا

Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group