عن حتمية الحرب وسجالات السلام

فهد سليمان شقيران

قبل 1 ساعة

لم تكن الحرب وسيلةَ الإنسانِ المفضّلة لإنهاء النزاعات؛ بيد أنها بالتأكيد بقيت ولا تزال تفرض «حتميّتها» و«ضرورتها» عبر وقائعَ مركبة؛ إذ لا يمكن تصوّر أي تاريخٍ بشريّ من دون فقهِ حِقَب النزال وجولات الصراع.
تعلّمنا الحرب أن ما نقوم به قد لا نريده، غير أن حركة التاريخ أجبرت الإنسان على خوض النزال من أجل صياغة مستقبلٍ يحلم به، أو الدفاع عن واقعٍ يعيشه، أو سوْسِ عدوٍ يتربّص به.
لقد بقي موضوع خيار الحرب والبحثِ عن بدائل أخرى مؤرّقاً للبشرية وللسياسيين وللفلاسفة. يؤرّخ الباحثون للمعاهدات الأولى بوثائق تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. كانت الرحلة من الحرب إلى التفاوض ومنه إلى السلام شاقة ومليئة بالعثرات والانكسارات العسكرية والسياسية، والأهم من ذلك الصعوبات النظرية.
ومن بيْن من عاد إلى تقييم ذلك الجدل، الفيلسوف الألماني هيغل؛ والذي خصّ جزءاً من نظريّته السياسيّة لدرْس مشكلة الحرب من جذرها.
والسبب في ذلك الاهتمام من قبل هيغل - وذلك بحسب شارحه الراحل إمام عبد الفتاح إمام - يعود إلى: «أحداث العصر الذي عاش فيه وما شهده من تغييراتٍ سياسية سريعةٍ وهائلة. ومن المعروف أن التفكير السياسي ينمو ويزدهر في حالة الغليان السياسي والاجتماعي والأزمات السياسية الحادة، والأحداث التاريخية الحاسمة؛ لأن ذلك كله يجبر الإنسان على أن يتخذ موقفاً سياسياً رغماً عنه».
الآن ثمةَ من يعارض الحروب ويناوئها باعتبارها تتجاهل إمكانات السلام وتهمّش قيم الحوار؛ فحين نتحدّث عن ضرورة ضرب المارقين بالقوّة ونزع شرورهم بهراوةِ الحرب ينادي بعض الحالمين بنظرياتٍ هشّةٍ ارتكاسية غرائبية في كسلها.
إن الحرب ضد الإرهاب الحوثي - وهي المثال الحديث والحيّ - ضرورية، وعبرها وبها يمكننا لجم التمرّد وقمع الإرهاب.
سبق وأن عاشت البشريّة مثل هذا الصراع بين النخب، صراع واقعيّة الحرب بوجه مثاليّة السلام. ولإيضاح النظريّة أكثر، أحيل إلى فصل: «الحرب ومحكمة التاريخ» من كتاب: «الفلسفة السياسية عند هيغل» لإمام عبد الفتاح إمام، ومن عناصره (بتصرّف) أن: «الحرب شغلت أذهان الفلاسفة منذ أقدم العصور. انقسموا حيالها بين فريقين؛ منهم من رأى حتميّة الحرب، ومنهم من آمن بحتمية السلام. توصف المجموعة الأولى بالواقعيّة والثانية بالمثالية (وأحياناً توصف الأولى بالمحافظة والثانية بالإبْطالية). هيغل رأى أن الحرب أبُ وملْكُ كل شيء، وتظهر الأشياء وتختفي عن طريق النزاع؛ إذ لا يمكن إنكار دور الحرب في تطوّر الإنسان؛ لأن مجموعةً كبيرة مما تم إنجازه طوال التاريخ إنما جاء نتيجةً للحرب والنزاع أكثر مما جاء عن طريق الانسجام والتعاون بين البشر. هيغل كتب في هذا الموضوع في وقتٍ مبكرٍ من حياته بمقالاته السياسية عام 1801».
لكن لا بد من التوازن في فهم رأي هيغل ونجده لدى شرح جون بلاميناتس الذي لا يعتبر «الحروب المستمرة المتواصلة هي النشاط الأنبل بالنسبة لهيغل، لكن ثمة مواضع تكون فيها «الحروب مفيدة لصحة الشعب الأخلاقية؛ إذ لا يُنكر وجود فضائل اجتماعيّة وعسكرية تنتج عن الحرب».
الغرض من ذلك العرض محاولة التخفيف من الجلَبة النخبويّة السياسية والإعلامية الحاليّة التي تنادي بالجلوس على الطاولات وبدء المفاوضات، بينما الحركة الحوثية المارقة تقصف المدنيين والمباني والمطارات. إنَّ الحرب جزء من انتصار الإنسان الخيّر على قوى الشر المحض، والصراع الآن في الإقليم بين من يريد التعمير ومن يريد التدمير، والانتصار وقوده القوّة والحرب هي «قوّة القوى».
الخلاصة: ستبقى النظريات المثاليّة أسيرة الكتب والندوات والشعر والغناء... إن حركة التاريخ تحتّم على الإنسان معارك قد لا يفضّلها، غير أنه حتماً سيخوض ثبجها حين يتوقفُ وجوده على هجر الكهوف وسنّ الرماح وقرع السيوف.

م/الشرق الأوسط

 

ترددات نوا

Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group