ما الذي يحدث في كردستان العراق؟

هوشنك وزيري

قبل 10 ساعة

من الممكن تلخيص الخطوط الأساسية للمشهد السياسي الكردي العراقي في غضون الأسبوعين الماضيين في ثلاثة أحداث ذات دلالات سياسية وجَّهت ضربات إلى العملية الديمقراطية.
الحدث الأول كان اعتقال شاسوار عبد الواحد، رئيس «حركة الجيل الجديد» المعارض يوم 12 أغسطس (آب) الجاري من منزله بمدينة السليمانية التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة بافل طالباني، نجل الرئيس العراقي الأسبق الراحل جلال طالباني. وحسب إعلام الحزب، فإن الاعتقال جرى بناءً على مذكرة صدرت في 3 أغسطس 2025 استناداً إلى دعاوى مقدمة من مواطنين بحق عبد الواحد، بموجب المادة 431 من قانون العقوبات العراقي المتعلقة بـ «التشهير».
بعدها بأيام قليلة، وفي إحدى محاكم أربيل، عاصمة إقليم كردستان التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، صدر حكم جديد على الصحافي والناشط شيروان شيرواني بالسجن لمدة 4 سنوات و5 أشهر إضافية بتهمة «تهديد» ضابط في السجن.
كان من المفترض أن يُطلَق سراح شيرواني في 9 سبتمبر (أيلول) المقبل لانقضاء محكوميته بعد أن قضى نحو 5 أعوام في السجن.
وحسب فريق دفاعه، فإن مسلحين يرتدون ملابس مدنية اعتدوا بالضرب على أفراد في عائلة شيرواني، وعلى اثنين من أعضاء البرلمان، كانوا حاضرين جلسة المحاكمة.
أما الحدث الثالث، فكان العملية العسكرية الواسعة داخل أحياء سكنية وسط السليمانية. ففي فجر يوم الجمعة 22 أغسطس الجاري، شنت أجهزة أمنية وعسكرية عملية واسعة ضد مقر لاهور شيخ جنكي الذي كان رئيساً مشتركاً سابقاً لحزب الاتحاد الوطني إلى جانب بافل طالباني، علماً أنهما أبناء عمومة.
انتهت العملية التي استمرت أكثر من 3 ساعات واستُخدمت فيها أسلحة ثقيلة ومن ضمنها الدرونات الانتحارية، باعتقال لاهور والمسلحين الذين كانوا معه.
هذه هي الخطوط الأبرز التي رسمت المشهد الكردي العام من دون الخوض في تفاصيل تساؤلات قد تبدو خارج السياق في لحظة مشحونة؛ تساؤلات من قبيل ما إذا كان زعيم «الجيل الجديد» يمثل فعلاً قيم المعارضة لقيم سلطة الحزبين السائدين في إقليم كردستان، أو ربما يقدم نسخة سائدة طبق الأصل عنهما؟ أو ما إذا كان لاهور شيخ جنكي بصدد مؤامرة كبرى كان يحيكها بمساعدة جهات داخل حزب طالباني وخارجه للإطاحة ببافل وقوباد طالباني، أو حتى اغتيالهما، حسب بعض المزاعم التي يروجها خصوم له، على ما يبدو؟
ربما الحدث الوحيد الذي لا يحتمل أي تساؤل هو الحكم الإضافي الصادر على الصحافي شيرواني، الذي كان منتقداً لما يصفه بأنه فساد ينخر في مؤسسات السلطة.
يمكن القول إن الديمقراطية التي لطالما تحدث عنها ساسة بلغة تفاخر منذ 1991، أو الادعاء بممارستها، باتت مهدَّدة اليوم. لكن هذا لا يعني مطلقاً بأن هذا الإقليم المكشوف بهشاشته أمام أمم عربية وفارسية وتركية محيطة به، قد حظي ذات يوم بنظام سياسي مبني حقاً على التعدد واحترام الحريات كي يوصف اليوم بالديمقراطي.
غالباً ما اقتصرت الديمقراطية في إقليم كردستان على بنية شكلية تستند إلى انتخابات تشوبها تدخلات الحزبين الحاكمين، وفق تقارير منظمات غير حكومية، وبرلمان شبه معطل في كثير من الأحيان، إلى جانب طغيان الإعلام الحزبي في الفضاء العام، ضمن جملة مظاهر سياسية تؤشر إلى غياب جوهر الديمقراطية والنقص في ممارستها الفعلية داخل النظام السياسي ومؤسساته التنفيذية.
منذ نزولهم من الجبل عام 1991 إلى المدينة، أصر الساسة الكرد على إغفال العنصر الأكثر جوهرية في العملية الديمقراطية، وهو تهشيم مبدأ الأحادية وبناء فضاء التعدد الاجتماعي السياسي. ولترسيخ التفرد، أصرت القوى الفاعلة في إقليم كردستان على الاحتفاظ بقواتها، وهو أمر يقول منتقدون إن هدفه ليس الدفاع عن الإقليم، بعكس ما تقول الأدبيات الحزبية، بل للاستخدام في تصفية حسابات داخلية. ومعلوم أن إقليم كردستان لا يمتلك قوة بيشمركة موحدة رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على تشكيل أول حكومة كردية في أربيل.
إن الديمقراطية مجموعة آليات وإجراءات منظمة تستهدف قبل كل شيء عدم احتكار فرد أو جماعة حقيقةً ما ومحاولة فرضها على الجميع بالقوة والعنف. ويبدأ النظام الديمقراطي بالعمل حين تتعايش رؤيتان أو نظامان للحقيقة -أو أكثر- مختلفان أو ربما متناقضان في فضاء اجتماعي سياسي واحد موحد. وعلى الكرد أن يتعلموا هذا الدرس، درس التعدد وكسر الأحادية في الحكم والقيادة.

المصدر / الشرق الأوسط

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group