متى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ؟

صادق اطيمش

قبل 3 اسابیع

مقولة رمضانية نستعيرها اليوم من النص القرآني لتوظيفها على واحد من المواجع التي تنال من جسد وطننا العراق والتي اشتدت آلامها هذه الأيام بالذات ، وربما كمدخل لآلام اكثر وتحديات اكبر لإستقبال موسم الدعاية الإنتخابية التي تتهيأ لها اسواق المتاجرة بالأصوات ومختبرات التزوير التي عودنا عليها تجار الدين في عصابات الإسلام السياسي بكل ما حصلوا عليه من شهادات في هذه الحقول طيلة الثمانية عشر سنة الماضية من حكمهم للعراق، إضافة الى ما يتمتعون به اصلاً من القدرة على التأويل والتفسير والتزوير واللصوصية وسلوك كل طرق الجريمة لتحقيق هدفهم الأساسي في شعار " لا حكم إلا لله " ليضعوا انفسهم ، وبوكالة شرعية من إلههم هذا ، في موضعه الذي يحكم فيه على الارض من فوق سماوات سبع.

موضع الوجع هذا يتجلى اليوم على اروقة الإسلاميين ومن يواليهم من متخلفي العقول ومتحجري الأفكار بتنظيم هجوم إعلامي على القوى الداعية للوحدة الوطنية المطالبة بالبديل الديمقراطي وبالتغيير المفضي الى الدولة المدنية الديمقراطية ، في وطن ظن اهله بنهاية آهاته التي تلاطمت عليه من بحر جرائم البعثفاشية المقيتة ، لتستمر مع خلفاءها من تجار الإسلام السياسي وحملة التعصب القومي والإحتراب الطائفي وممزقي الهوية العراقية الذين اتى بهم نفس ذلك القطار الأمريكي الذي جاء باسلافهم من قبل .

تتكاثف غيوم الحملة الإعلامية هذه محاولة حجب نور التغيير الذي بدى يلوح في افق الوطن بعد ان عجزت نفس هذه الغيوم عن اخفاء جرائم القتل والإبادة والإختطاف والتغييب والملاحقات والسجون التي تمارسها جيوش باسلحة منفلتة ملفوفة بعباءات نفس ذلك الإله الذي اوكلهم على بناء دولته على ارضه وخولهم بصكوك غفران ابدية مرهونة لدى الناطق باسمه والمنفذ لأمره في ولاية الوكالة الإمامية التي لا تبخل عليهم بكل ما يحتاجون اليه في مساعيهم الإجرامية هذه .

وقد اكتشف ذكاء الجريمة لدى قوى الإسلام السياسي ومناصريه بان مواجهته لكل قوى الدولة المدنية الديمقراطية يكاد ان يكون لعبة خاسرة يختلط فيها الأسود بالأبيض فلا يتحقق بذلك فصل الواحد عن الآخر ، كما يريده النص على الأقل ، لاسيما وان بعض مغفليهم الذين خلطوا الأمر على انفسهم وعلى اقرانهم ايضاً بمناداتهم بالدولة المدنية وبالديمقراطية ايضاً ، والعياذ بالله !!!

فما العمل اذاً والحالة هذه التي اختلط فيها الحابل بالنابل والتي وضعت الإسلاميين ورهطهم امام مهمة لا يمكن الخلاص منها دون الإقتصار على جبهة واحدة لإعلان حرب الإعلام عليها ، وكأن غارات الإختطاف والإغتيال والتشريد والتهديد التي مارستها مليشياتهم منذ ان ضاعت الدولة العراقية في جيوب وخزائن وعقارات وارصدة البنوك العالمية لم تكن تكفي للنيل من هذه القوى التي ما زالت ، رغم كل ما تتعرض له من ظيم وجور ، تنادي للدولة المدنية الديمقراطية وتشخذ الهمم لتحقيقها ولعودة الوطن المسروق بقضه وقضيضه . امر مرعب حقاً يكاد ان يشكل كابوساً يفقدهم بصيرتهم ، إضافة الى بصرهم الطامس في الاسود دوماً .

عقل الجريمة يظل كاشفاً جيداً لكل وساءل التخريب والترهيب . ولم تغب صفة ذكاء الجريمة هذه عن فكر الإسلام السياسي الذي لم يعقه تخلفه المزري وجموده المتحجر عن ابتكار وساءل تفرقة القوى الوطنية العراقية التي اراد لها ان ترتكز وبشكل اساسي على تلك القوى التي علت مناداتها بوحدة القوى المدنية الديمقراطية ولملمة صفوفها التي انتشرت بين منظمات شبابية وتنظيمات نقابية مهنية واحزاب سياسية لم تتلوث بادران حكم الإسلاميين ولصوصيتهم ، لتصب عليها نار دعايتها الإعلامية التي ارادت لها ان تسير على نفس ذلك المسار التجاري للدين. فانبرت منابر شيوخ التجارة الدينية لتهيج القوى المؤمنة ايماناً دينياً فطرياً لا علاقة له بالمناصب والمكاسب والمحاصصات المقيتة ، لتنشر بينها كل ما تعيشه مقرات ومنتديات وصالونات وفنادق لصوص العراق الجدد من رواد الإسلام السياسي من فسق وفجور وابتزاز ، على اعتباره ممارسات محرمة للقوى المدنية التي وصفوا دعوتها للدولة المدنية الديمقراطية بانها دعوة لإشاعة الخلاعة والفسق والفجور في المجتمع العراقي ، وكأن لسان حالهم يقول : وكل اناء بالذي فيه ينضح.

إن الفشل الذي رافق الأحزاب المتنفذة من احزاب الإسلام السياسي والأحزاب التي شاركتها مأساة المحاصصات والشراكات في النهب والسلب والإبتزاز والتهجير والبطالة والتخلف الإجتماعي والإقتصادي والثقافي،أظهر للناس بما لا يقبل الشك الضرورة الحتمية للتغيير الذي يتحدث عنه الناس في كل مكان وما عليهم إلا تحقيقه فعلاً من خلال تقديم البديل الآخر والمختلف فعلا عن القوى المتنفذة اليوم . هذا البديل الذي ينبغي ان يطرح نفسه بكل جدية وعزم على تحقيق شعار شباب ثورة تشرين الباسلة باسترجاع الوطن المسروق من لصوص احزاب الإسلام السياسي واعوانهم من الشوفينيين ومتخلفي الفكر.

وحينما نستعرض الساحة االسياسية العراقية اليوم عن كثب ، فسوف لا نجد اي تغيير نوعي ضمن أحزاب الإسلام السياسي وتجمعات التعصب القومي وكيانات التمحور العشائري وتشكيلات الإصطفاف المناطقي التي قادت إلى الوضع المأساوي الذي مرَّ ولم يزل يمر به وطننا حتى الآن وسيستمر على هذا المنوال واتعس إن لم يحدث التغيير الجذري المنشود. إن آليات هذا التغيير الذي نرجوه لوطننا وشعبنا تتوفر في تلك القوى السياسية التي يجمعها هدف التاسيس للدولة المدنية الديمقراطية والتي تلتقي على درب النضال الوطني نحو إنتشال وطننا من كل مخلفات الثمانية عشر عام العجاف الماضية التي يعاني وطننا وشعبنا منها الويلات والمآسي الجسام .

إن السؤال الذي يواجه قوى الخير في وطننا والمتمثلة بكل دعاة الديمقراطية والوحدة الوطنية والسلام الإجتماعي في دولة المواطنة المدنية ، دولة التواصل الحضاري على طريق التطور العلمي الذي تعيشه الإنسانية اليوم ، هذا السؤال قد يطرحه ، وعلى حق ، كل مواطنة وكل مواطن عراقي والقائل : ماذا يعيقكم ايها الديمقراطيون من التحالف امام قوى الشر التي قادت وطننا نحو الهاوية والمصير المجهول والتي لم تزل تسير على درب ضياع الوطن هذا ؟ لماذا تتركون قوى الشر والجريمة الماسكة بتلابيب وطننا على درب الإفلاس رغم خيراته الكثيرة ، وعلى درب التناحر الإجتماعي رغم روح التآلف التي ينشدها اغلب اهل وطننا ؟ ولماذا كل هذا السكوت عن جرائم الليل والنهار التي تمارسها الأحزاب الحاكمة وعصاباتها المسلحة والمتمثلة بقتل او خطف وتغييب واعتقال وتهجير كل من يطالب بعودة وطنه المسروق وماله المغتصَب وحقوقه المنهوبة وحريته المكبوتة وإفقارِه المتعمَد وحرمانه واطفاله واهله من ابسط مقومات الحياة الإنسانية في المأكل والمسكن والمشرب والتعامل مع الناس في علاقاته الإجتماعية ؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير التي تواجهها القوى الديمقراطية اليوم تبحث عن جواب لدى هذه القوى التي لم يزل بعضها مصرآ على الإبتعاد عن البعض الآخر رغم الإتفاق على الهدف ، وفي احيان كثيرة الإتفاق على الوسيلة ايضاً .

ما يتردد كثيراً حول الدعوة لوحدة القوى الديمقراطية في وطننا يشير الى التناقض الذي عكسه الشارع العراقي في تلك المناسبات الإنتخابية التي اعاد فيها نفس تلك الوجوه الكالحة من سراق خيرات الوطن وناهبي قوت اهله ، في الوقت الذي لا تجد لزمر الحكام هذه وكل احزابها وعصاباتها اي ذِكر حسن بين صفوف المواطنين الذين لم يذكروا احد هذه الأحزاب الحاكمة او رجالها إلا وانهالت عليهم مختلف الشتائم ، وبالعراقي الفصيح في كثير من الأحيان. ربما قد لا تخلو هذه الظاهرة التي تكررت لدورات انتخابية عديدة من الصحة ، إلا انها لا تخلو ايضاً من كل وساءل الخداع والجريمة التي وظفتها قوى الإسلام السياسي من تزوير في نتائج الإنتخابات الى شراء الأصوات بالمال العام المنهوب الى الوعود الكاذبة بالبيوت والأراضي والوظائف والى غير ذلك الكثير من وساءل الغش والخداع التي يجيدها المتحاصصون اللصوص .

وهنا لا يسعنا إلا ان نهتف باسماع كل من لم يزل مخدوعاً باطروحات وخزعبلات وافكار ووعود الأحزاب الحاكمة وكل قادتها ، ولم يستوعب لحد الآن كل المآسي التي جاء بها هؤلاء لأهلنا ووطننا ، لا يسعنا إلا ان نقول لهم ونحن في شهر رمضان المبارك :

متى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود على الساحة السياسية العراقية؟

Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group