ديمقراطيتنا الوليدة

علي يوسف الشكري

قبل 4 اسابیع

ليس اكثر من الشعب العراقي شعب قادر على امتصاص الصدمات وتجاوز الأزمات والانتصار بعد الانكسارات، شعب صنع الحضارات وعاش الظلمات والاحتلالات وخرج منتصراً هازماً الفاتحين، شعب احتوت ارضه رفات الأنبياء والأئمة والطاهرين، في أرضه نشأت المذاهب وكبريات مدارس اللغة والنحو والصرف، ومن ارضه نبغ كبار الشعراء والأدباء والفقهاء، شعب يمرض لكنه لا يموت.

شعب تحرر مبكراً حيث كان الغالب من الشعوب العربية يقبع تحت الاحتلالات وراح يرعى ويدعم الشعوب العربية والصديقة بقصد تحريرها، شعب عرف الدستور والملكية الدستورية والحياة النيابية يوم كانت غالبية الشعوب العربية لا تعرف مفهوم الدولة ولا ترى في المحتل الا راعٍ  وولي نعمة لابد من تقبيل يده والسير خلفه وتأييد حركاته وسكناته، أرشفت أعمال المجلس التأسيسي في عشرينيات القرن الماضي لنقاشات وطنية كانت ولما تزل محط احترام الفقه الدستوري إذ تجسدت فيه الروح الوطنية وعمق الارث وبعد النظر ومتانة الأس الثقافي والفكري، فقد وقف المؤسس رافضاً للمشاريع الوافدة المفروضة فأسقط العديد منها مبدءا وجوهراً وتفريعات، ودار السجال طويلاً بين أعضاء اللجنة حتى ظن البعض أن الدستور لن يرى النور، فخرج الدستور في حلة كان ولما يزل الفقه الدستوري العراقي يفخر بها، فقد أسس الدستور للملكية الدستورية المقيدة، وتبنى النظام البرلماني آلية للحكم، وأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات القائم على التعاون والتوازن والرقابة الفعلية لا النظرية، فأنتجت الممارسة الدستورية رحيل (59) وزارة وحل (28) مجلس نيابي نعم بإرادة ملكية لا حكومية لكن تأثير الحكومة لم يكن غائباً. وبعد تأسيس دستوري وحياة نيابية ديمقراطية يذهب العراق أسير النظم العسكرية التي أطاحت بكل قيم الديمقراطية التي لا تعرف من فن الإدارة سوى مبدأ نفذ ولا تناقش فأضحى الشعب تابعاً غير فاعل يسير على هدي حاكمه الأوحد وإن قاده الى الهلاك وقد قاده الى ذلك المصير فجل الحقبة الجمهورية الأولى اضطرابات داخلية وحروب خارجية واحتلالات بينية وحصار اقتصادي هو الأقسى.

وبدأ العهد الجمهوري الثاني شارعته بدستور مؤقت رفضته المرجعية الدينية العليا وشايعه في ذلك الشعب الباحث عن الحرية المتطلع الى حاضر أفضل ومستقبل مزدهر، وبالقطع لم يكن الرفض للدستور المستحدث كونه موقتاً لكن الرفض كله كونه صنيعة الاحتلال الذي صاغ كلياته ومبادئه وتفريعاته ولم يترك للمحكوم سوى التنفيذ، وبيد عراقية صيغة نصوص الدستور غير الموقت الأول في العهد الجمهوري في ظروف لا توصف الا انها استثنائية بكل معانيها ومضامينها، فالانقسام المجتمعي في قمته وغياب الثقة في أوجها والتهديد الأمني راح يلوح به للموسِس والشعب، فطال عدد من أعضاء لجنة كتابة الدستور وأصبح شبح الموت يهدد كل من سيذهب للبيعة والتصويت، والحاكم الزمني الذي أسس له دستور الاحتلال ضاغط وإلا عادت العملية السياسية الى مربعها الأول حيث الفوضى وذهاب القانون وتداخل الصلاحيات وغياب العمل المؤسسي، ووسط هذه العقبات ولد الدستور بجراحة قيصرية وتحمل الوليد الكامل كل إخفاقات الساسة الذين لم يجدو اضعف من الدستور خاصرة يرمى عليها الفشل والتراجع ونقص الخدمات، والدستور برآء من كل ما وجه له من تهم، فالعيب فيمن قاد وتصدى وعمل وأسس لا في البناء المؤسسي، نعم ليس لاحد أن يدعي كمال الدستور ومثالية نصوصه ودقة تأسيساته لكن العيب كله في تيامن الإرادات على مخالفة مبادئه ومضامينه ومقاصد المؤسسين، فالتواطئ في توزيع المغانم لم ينص عليه الدستور، وحماية الفاسد وهادر المال العام لم يقل به، ودعم الفاشل المزور لم يرد بين ثناياه وتجاوز المدد والقفز على التأسيسات المرحّلة لم تكن صنيعته، لكن الخراب كله لا جله من صنع الساسة لا الدستور، نعم أنجزت العملية السياسية منذ انتهاء عهد الجمهورية الأولى والشروع بعهد الجمهورية الثانية عدة استحقاقات ربما كان ابرزها التداول السلمي للسلطة فقد راح تداول السلطة مقبولاً مستساغاً عملاً بمبدأ عاش الملك مات الملك، ولم يعد هناك من يفكر او يجول بخاطره أن يخلد بالمنصب أو يتشبث به والاستحقاق يقول بغيره، بل راحت الممارسة النيابية الجديدة تقول برحيل الرئيس قبل انتهاء ولايته إذا اقتضى المستلزم الدستوري ذلك فأستقال بارادته خامس رئيس وزراء ولم يمضِ على ولايته سوى سنة واحدة، وكُلف خليفته ولم يفلح في تشكيل حكومته فأعلان اعتذاره عن التكليف، نعم لقد خلّفت هذه الاستقالات بعض الاحتقانات السياسية لكنها الصحوة بذاتها بعد غياب وتغيب لهذه المفاهيم قرابة نصف قرن من الزمان، وقد يكون في اشتداد الأزمة انفراجها بعد أن وصلت الاحتقانات السياسية والاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتصــــحيح ذروتها، وبالقطع أن العراق قادر على العـــودة الى صفوف المنتصرين وان طــــال زمن الهزيمة وتكالبت الخطوب، فغيره يموت لكنه يمرض ولا يموت.

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group