لا للرهان على فخ الإقتراض الخارجي

د. جاسم الحلفي

19/06/2020
تنقض الأزمة الاقتصادية على العراق فيما نظامه السياسي يفتش عن حلول أحلاها مرّ. فتفكير أصحاب القرار هذه الأيام ينصب على الإقتراض الخارجي لتخطي الأزمة المالية الخانقة، التي تمثل مظهراً صارخاً للازمة البنيوية التي تواجهها البلاد، بعد أن عجزت إيرادات الدولة من تأمين الرواتب التي تعتمد بالأساس على صادرات النفط، رغم الصعود الطفيف في أسعاره خلال الايام الاخيرة.
إن التوجه نحو الدول والمؤسسات الخارجية بهدف الإقتراض، ليس طرقا لأبواب مؤسسات خيرية، مع أن المؤسسات الخيرية ذاتها وكما شهدنا، لا تمنح قرضا أو مساعدة لوجه الله. وليست خافية توجهاتها ومصالح القائمين عليها وفروضهم. فكيف الامر بالنسبة للدول والمؤسسات المالية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي تأسست تحت عنوان مخادع هو "مساعدة الدول الأعضاء في تعزيز قدرتها على تبني وتطبيق سياسات إقتصادية سليمة"، وذلك عبر الإلتزام بالشروط التي تفرض على الدول المقترضة. وهذه الشروط التي تسمى نفاقا بـ "الوصفات" ومداهنة بـ "برامج الإصلاح الإقتصادي" هي في حقيقتها فروض هيكلية او مالية او نقدية مقابل منح القروض، لخدمة إقتصاديات الدول الرأسمالية الغنية القوية التي تتحكم بقرارتها، لمنافع ومصالح خاصة بها على حساب الشعوب الفقيرة.
ويشهد التاريخ أنه لم يتم إقرار قرض خارجي واحد دون شروط وفرض التزامات. ولم تكن تجارب الدول يوما، في تعاملها مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إيجابية، بل هي تجارب مريرة في الغالب الأعم.
وكي لا نقع بالخديعة كما يحاول فرسان الليبرالية الجديدة إيهامنا بان الحل السحري هو في جعبة تلك المؤسسات الدولية، فان علينا إستحضار الخلاصة الأبرز التي إستنتجتها الشعوب، التي فرضت عليها الديون تحمل كلف الاقتراض وأعبائها الثقيلة، التي أدت إلي سوء الأحوال المعيشية للشعوب. فبأسم "الإصلاحات الإقتصادية الضرورية" يتم خفض الرواتب والتقاعد، وفرض المزيد من الضرائب، وتقليص العمالة في القطاع الحكومي بذرائع مختلفة، مما يؤدي الى إرتفاع نسب البطالة وإتساع مستويات الفقر، وإنفاق المداخيل وتراجع القوة الشرائية للعملات الوطنية، وتهاوي معدلات صرفها مقابل العملات الصعبة. وكل هذه الإجراءات عمقت في نهاية المطاف الأزمة الاقتصادية في البلدان المقترِضة بدلا من تنميتها.
وبدلا من اللجوء إلى خيار الاقتراض المدمر من الخارج، ثمة رهان وطني يمكن الإقدام عليه، لكنه يحتاج الى إرادة سياسية فعالة. فجل ما يحتاجه العراق هو ضرب أيادي الفاسدين، وإسترجاع الأموال المنهوبة، والسيطرة على المنافذ الحدودية، والإدارة صحيحة لمزاد العملة، والتدقيق في واردات عقارات الدولة، وإعادة حساب جيوش الفضائيين، وتطبيق العدالة الإجتماعية. يرافق ذلك كله إطلاق برامج التنمية المستدامة عبر دعم القطاع الإقتصادي الحقيقي، الصناعة والزراعة.
إن المهمة الملحة الآن هي إعادة النظر في نمط الأولويات، وهذا يتطلب رؤية إجتماعية وسياسية مختلفة عن الرؤية التي حكمت توزيع الأولويات للإنفاق العام في الماضي، رؤية تنحاز الى لعقلانية الإقتصادية، والى مبادئ التنمية المستدامة والعدالة الإجتماعية.

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group