باصات بغداد الحمر ثانيةً

علي السوداني

قبل 3 اسابیع

وكنت‭ ‬حرثتُ‭ ‬الاسبوع‭ ‬الفائت‭ ‬بهذا‭ ‬الباب‭ ‬رصافةً‭ ‬،‭ ‬ووعدت‭ ‬الكرَّ‭ ‬كرخاً‭ ‬ونبشاً‭ ‬فحطَّ‭ ‬على‭ ‬مائدتي‭ ‬هذا‭ ‬الليل‭ ‬الساكن‭ ‬،‭ ‬صدرٌ‭ ‬وعجزٌ‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬شاعر‭ ‬عباسي‭ ‬اسمه‭ ‬عليّ‭ ‬بن‭ ‬الجهم‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬الخليفة‭ ‬المتوكل‭ ‬‮«‬‭ ‬عيون‭ ‬المها‭ ‬بين‭ ‬الرصافةِ‭ ‬والجسرِ‭ ‬،‭ ‬جلبنَ‭ ‬الهوى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أدري‭ ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬‮«‬‭ ‬فأكل‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬البديع‭ ‬كلَّ‭ ‬شعر‭ ‬الشاعر‭ ‬وتجادلت‭ ‬الناس‭ ‬العالمة‭ ‬الفاهمة‭ ‬الناقدة‭ ‬بمسألة‭ ‬وجود‭ ‬الجسر‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬دجلة‭ ‬من‭ ‬عدمه‭ .‬
سآتي‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬الباصات‭ ‬التي‭ ‬ركبتها‭ ‬جيئة‭ ‬ورواحاً‭ ‬منذ‭ ‬مفتتح‭ ‬الثمانينيات‭ ‬المحاربة‭ ‬حتى‭ ‬يوم‭ ‬الهجيج‭ ‬الموحش‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬العزيزة‭ . ‬كان‭ ‬عنوان‭ ‬مسكن‭ ‬أخي‭ ‬جمعة‭ ‬وانا‭ ‬معه‭ ‬ضائعاً‭ ‬ببستان‭ ‬تمر‭ ‬طيب‭ ‬كثير‭ ‬،‭ ‬بين‭ ‬الرحمانية‭ ‬ودور‭ ‬السكك‭ ‬التي‭ ‬منها‭ ‬الحيدري‭ ‬والأرامل‭ ‬والمقببات‭ ‬والعطيفية‭ ‬الأولى‭ ‬درة‭ ‬الكرخ‭ ‬ولؤلؤته‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬علاماتها‭ ‬مقهى‭ ‬القبطان‭ ‬المزروعة‭ ‬على‭ ‬عطفة‭ ‬دجلتها‭ ‬وباب‭ ‬دخولها‭ ‬،‭ ‬وبساتين‭ ‬حجي‭ ‬مهدي‭ ‬وأولاده‭ ‬صادق‭ ‬وجاسم‭ ‬وطعمة‭ ‬وحسوني‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬صار‭ ‬عندي‭ ‬موطىء‭ ‬رزق‭ ‬صغير‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬دكان‭ ‬فلافل‭ ‬وشربت‭ ‬أناناس‭ ‬صغير‭ ‬لصق‭ ‬جامع‭ ‬المدلل‭ ‬المعروف‭ ‬،‭ ‬وقبالة‭ ‬بائع‭ ‬المشويات‭ ‬الطيب‭ ‬والطيبة‭ ‬الذي‭ ‬يسميه‭ ‬المذكراتي‭ ‬أكرم‭ ‬عبد‭ ‬الرزاق‭ ‬المشهداني‭ ‬تسمية‭ ‬طريفة‭ ‬لطيفة‭ ‬هي‭ ‬حمادي‭ ‬أبو‭ ‬الفشافيش‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬فصل‭ ‬إن‭ ‬فتحته‭ ‬الآن‭ ‬لسقطت‭ ‬على‭ ‬ذاكرتي‭ ‬الليلة‭ ‬مطرةُ‭ ‬ضحكات‭ ‬من‭ ‬حميد‭ ‬عبد‭ ‬السامرائي‭ ‬وسفيان‭ ‬المعاضيدي‭ ‬والرسام‭ ‬الجميل‭ ‬سلام‭ ‬محمود‭ ‬،‭ ‬تشبه‭ ‬الضحك‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينتجه‭ ‬المرحوم‭ ‬صادق‭ ‬ابن‭ ‬حجي‭ ‬طعمة‭ ‬وابنه‭ ‬أياد‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ !!‬
هناك‭ ‬كنت‭ ‬أنطر‭ ‬الباص‭ ‬الأحمر‭ ‬ذا‭ ‬الطابقين‭ ‬عموماً‭ ‬،‭ ‬بموقف‭ ‬تنزرع‭ ‬قبالته‭ ‬غرفة‭ ‬مبنية‭ ‬من‭ ‬طابوق‭ ‬عتيق‭ ‬مفتوحة‭ ‬واجهتها‭ ‬بشبّاك‭ ‬أقرب‭ ‬الى‭ ‬الرازونة‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬بطنها‭ ‬حِبٌ‭ ‬فخاري‭ ‬أو‭ ‬حبّانة‭ ‬مغناج‭ ‬،‭ ‬بها‭ ‬طاسة‭ ‬نحاسية‭ ‬مثقوبة‭ ‬مشدودة‭ ‬الى‭ ‬سلسلة‭ ‬حديدية‭ ‬،‭ ‬تشرب‭ ‬منها‭ ‬السابلة‭ ‬المارة‭ ‬وأيضاً‭ ‬الفلاحون‭ ‬والفلاحات‭ ‬الكادّون‭ ‬ببساتين‭ ‬المرحوم‭ ‬حجي‭ ‬مهدي‭ ‬المتبسم‭ ‬الحميم‭ .‬
يأتي‭ ‬الباص‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الكاظمية‭ ‬والشالجية‭ ‬والطوبجي‭ ‬وعلي‭ ‬الصالح‭ ‬والمنابع‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الجامعة‭ ‬وحي‭ ‬العدل‭ ‬،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬فرصة‭ ‬الصعود‭ ‬سهلة‭ ‬ومتاحة‭ ‬بسبب‭ ‬توفر‭ ‬الخيارات‭ ‬التي‭ ‬منها‭ ‬الباصات‭ ‬الحاملات‭ ‬الأرقام‭ ‬سبعة‭ ‬وسبعين‭ ‬واثنين‭ ‬وتسعين‭ ‬وسبعة‭ ‬عشر‭ ‬وأربعة‭ ‬وعشرين‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬كان‭ ‬الجابي‭ ‬الذي‭ ‬يستحصل‭ ‬أثمان‭ ‬تذاكر‭ ‬الصعود‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬للانقراض‭ ‬،‭ ‬وكانت‭ ‬هذا‭ ‬الباصات‭ ‬تواصل‭ ‬سيرها‭ ‬الهادىء‭ ‬بشارع‭ ‬حيفا‭ ‬بعد‭ ‬التطوير‭ ‬والتفليش‭ ‬ومرحلة‭ ‬المعمار‭ ‬معاذ‭ ‬الآلوسي‭ ‬،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الا‭ ‬دقائق‭ ‬قليلات‭ ‬حتى‭ ‬نصل‭ ‬ساحة‭ ‬حماد‭ ‬شهاب‭ ‬وعلى‭ ‬مبعدة‭ ‬شمرة‭ ‬عصا‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬صرنا‭ ‬بساحة‭ ‬الطلائع‭ ‬وبقايا‭ ‬سوق‭ ‬الجديد‭ ‬،‭ ‬فييمم‭ ‬السائق‭ ‬البارد‭ ‬وجه‭ ‬الحافلة‭ ‬العالية‭ ‬صوب‭ ‬أول‭ ‬ظهر‭ ‬جسر‭ ‬باب‭ ‬المعظم‭ ‬الحديث‭ ‬،‭ ‬فنكحل‭ ‬العينين‭ ‬والقلب‭ ‬بمنظر‭ ‬خضر‭ ‬الياس‭ ‬وشموعه‭ ‬بأول‭ ‬المساء‭ ‬،‭ ‬ودعاء‭ ‬النسوة‭ ‬والصبايا‭ ‬المفطورة‭ ‬قلوبهن‭ ‬بزوج‭ ‬وأخ‭ ‬ووالد‭ ‬وحبيبٍ‭ ‬ذهب‭ ‬الى‭ ‬جبهة‭ ‬الحرب‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬طاسة‭ ‬الماء‭ ‬المسكوبة‭ ‬خلفه‭ ‬أن‭ ‬تعيده‭ ‬الى‭ ‬داره‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ .‬
تنتهي‭ ‬رحلة‭ ‬الباص‭ ‬بساحة‭ ‬الميدان‭ ‬مفتاح‭ ‬ربع‭ ‬بيوت‭ ‬بغداد‭ ‬،‭ ‬فتقودني‭ ‬قدماي‭ ‬العجولتان‭ ‬الى‭ ‬مقهى‭ ‬حسن‭ ‬عجمي‭ ‬التي‭ ‬كلما‭ ‬ذكرتها‭ ‬،‭ ‬فقدَ‭ ‬قلبي‭ ‬سنةً‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬ونصف‭ ‬دمه‭ !!‬
أما‭ ‬الباص‭ ‬أربعة‭ ‬وعشرون‭ ‬فقصته‭ ‬طويلة‭ ‬جداً‭ ‬مثل‭ ‬رحلته‭ ‬،‭ ‬وسأفرد‭ ‬له‭ ‬فصلاً‭ ‬مثل‭ ‬فصل‭ ‬مقهى‭ ‬حجي‭ ‬خليل‭ ‬بمكمنيها‭ ‬الاثنين‭ ‬عند‭ ‬عمارة‭ ‬الكهرباء‭ ‬العالية‭ ‬بالميدان‭ ‬،‭ ‬وربما‭ ‬حكاية‭ ‬مدهشة‭ ‬ثانية‭ ‬عن‭ ‬سيارة‭ ‬حمراء‭ ‬رقمها‭ ‬ستة‭ ‬وخمسون‭ ‬وبطلها‭ ‬أنا‭ ‬والشاعر‭ ‬الشقيق‭ ‬ركن‭ ‬الدين‭ ‬يونس‭ ‬حمادة‭ ‬،‭ ‬وهنا‭ ‬سأرسم‭ ‬نقطة‭ ‬المنتهى‭ ‬وأتوقف‭ ‬عن‭ ‬رسم‭ ‬الذكريات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسقط‭ ‬قلبي‭ ‬بين‭ ‬قدمي!!  ‬

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group