الاقتراض.. خطوة نحو إنهيار قيمة الدينار

د. جاسم الحلفي

قبل 2 اسابیع
الشرط الذي فرضته الحكومة على مجلس النواب وكبّلته به، والقاضي بعدم صرف رواتب منتسبي الدولة وموظفيها إلا اذا صوّت موافقا على الاقتراض الداخلي، شرط قاسٍ وغير منصف، بل هو شرط إذلال، كمن يضع السكين على رقبتك ويفرض عليك الخضوع، ويذكّر بصورة الإرهابي الذي يختطف شخصا ولا يطلق سراحه دون استلام فدية!
والمتوقع هو رضوخ مجلس النواب وتصويته بتأييد الاقتراض، واستبعاد وضع الحكومة امام المحاسبة. علما ان حكومة الكاظمي ليست وحدها التي تُحمّل عبء الازمة المالية التي تعصف بالعراق، فمن يتحمل مسؤولية الإخفاق هو النظام السياسي برمته، هو نظام المحاصصة والفساد المسبب للازمات المتواترة، وحكومة الكاظمي واحدة من حكومات هذا النظام، التي تتحمل جميعا مسؤولية عجز الحكومة عن الإيفاء بصرف المستحقات المالية لمنتسبيها.
 
لم تمر على طوال تاريخ العراق المعاصر، ومنذ تشكيل اول حكومة عراقية حتى الوقت الحاضر، ازمة في صرف رواتب منتسبي الدولة وموظفيها الى الحد الذي بلغته حكومة الكاظمي.
فقد أفلست الحكومة، ولم تعد تمتلك معالجة ناجزة للعجز المالي غير الاقتراض الخارجي، لكن يبدو ان أبواب الاقتراض الخارجي بشروطه المجحفة، قد اوصدت لحسن حظ العراقيين في وجه النظام. فالعالم صار يدرك ان الفساد لم يبقِ شيئا من موارد العراق الا ونهبه. كما ان بلدان العالم ومصارفها حريصة على أموال مودعيها، ولا تبددها هباء بل تمنحها فقط في حالة توفر ضمانات من مقترض موثوق. وقد بددت طغمة الفساد الثقة المالية بالعراق قدر تبديدها ثرواته، وكما بدد الإرهاب والسلاح المنفلت الثقة بالوضع الأمني وبإمكانية استتبابه امام المستثمرين.
لو قبلنا على سبيل الافتراض حل الازمة المالية عن طريق الاقتراض الداخلي، وسألنا ما هي تدابير الحكومة بعد ان تأتي على الاحتياطي النقدي العراقي، و تنفق كل غطاء الدينار العراقي؟ فقد يجيب خبراء الاقتصاد والمال الحكوميين، الذين هم شركاء في فشل طغمة الحكم في إدارة هذا الملف، أن الورقة البيضاء هي سبيل إعادة العافية للاقتصاد العراقي. لكنهم يصمتون اذا سألناهم: ومتى كان الاقتصاد معافى في ظل تسيدكم على المناصب؟ فاقتصادنا ومنذ التغيير لا يعتمد اساسا الا على الإيرادات النفطية، وربابنته ومعهم كل الكابينات الوزارية لم يفكروا يوما في تنويع اقتصاديات العراق، ولم نلحظ منهم اجراء جديا لدعم الصناعة والزراعة. اما موارد السياحة، وبالأخص منها الدينية، فبدل ان تدر أرباحا من خلال رسوم الدخول وما ينفق على النقل والسكن في الفنادق، أصبحت الخدمات فيها شبه مجانية للزائر.
لا يتسع المجال هنا للحديث عن الورقة البيضاء، المعبرة عن ايديولوجية من اعدوها، وهم اساسا تلامذة الليبرالية المتوحشة. لذا يجري تمرير قانون للاقتراض، وليس للإصلاح الاقتصادي الجدي. وهذا سرعان ما يكشف عن نفسه دون جهد كبير، حيث تكفي ملاحظة عدم وجود كلمة (تنمية) في كل صفحات الورقة!
وللحديث بقية عن وجهة الاقتصاد، وخطورة المضي بهذه السياسيات وتأثيرها الكارثي على الاقتصاد العراقي، وعلى مستقبل قيمة الدينار العراقي وقدرته الشرائية!

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group