سر تراجع حماس المرضى إزاء لقاح «كوفيد»

دانييل أوفري

قبل 4 اسابیع

فيما مضى، أثار لقاح الإنفلونزا مقاومة شديدة. كان المرضى داخل عيادتي في مدينة نيويورك يأخذون لقاحاتهم الأخرى دون تردد، لكنهم يرفضون لقاح الإنفلونزا، وكانوا يسوقون مبررات مختلفة، منها أنهم متأكدون من أن لقاح الإنفلونزا يصيبهم دوماً بالإنفلونزا، أو لأنهم ببساطة «لا يأخذون» لقاحات الإنفلونزا. ومع ذلك، تبدّل الوضع اليوم، وأصبح معظم مرضاي يستجيبون الآن ولسان حالهم يقول: «حسناً، سنأخذ لقاح الإنفلونزا، لكن ليس لقاح كوفيد».
وعندما أستفسر من المرضى عمّا إذا كانت لديهم أي مخاوف أو أسئلة حول لقاح «كوفيد»، نادراً ما يجيب أحدهم بالإيجاب. عملياً، لا أحد يسألني عن بيانات السلامة أو مدى فاعليتها في منع انتقال الفيروس والاستشفاء والوفاة. لا أحد تقريباً يسألني عن عدد الحالات الحالية. هناك مجرد سياج غامض، أو «لا أعرف، أنا فقط لا أعرف». وفي خضم محاولاتي لاستكشاف ما يدور في أذهان مرضاي، أستطيع أن أشعر بإحساسهم بحالة جماعية من التوتر.
ويسمع العاملون في مجال الصحة في كل مكان هذا النوع من التردد في أوساط المرضى، مع استمرار ارتفاع حالات الإصابة بفيروس «كورونا» ودخول المستشفيات خلال الشتاء. وتكشف الأرقام أنه اعتباراً من أوائل يناير (كانون الثاني)، تجاوز متوسط عدد الأميركيين الذين يموتون أسبوعياً بسبب «كوفيد»، 1.700 شخص.
ومع ذلك، أوضح تقرير صدر عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، في 19 يناير، أن 21.8 في المائة فقط من البالغين الذين تبلغ أعمارهم 18 عاماً فما فوق، قد تلقوا أحدث لقاح لفيروس «كورونا»، أي أقل من نصف النسبة المئوية لأولئك الذين حصلوا على لقاح الإنفلونزا.
المؤكد أن تحسين هذا الوضع ليس بالأمر الهين، وسيتطلب من مقدمي الرعاية الصحية الخوض في محادثات عميقة لا تتعلق بالحقائق بقدر ما تتعلق بالعواطف. وإذا لم نفعل ذلك، سنعاين أعداداً من الوفيات كان يمكن تجنبها، والتي قد نعدّها «غير مقبولة» بأي مجال آخر من مجالات الرعاية الصحية.
ويمكننا الاعتراف بالإرهاق الوبائي دون الاستسلام. في الواقع، تعتمد صحة المجتمعات وحياتها على المدى الطويل على ذلك الأمر.
عندما يُعبّر مرضاي عن ترددهم إزاء الحصول على اللقاح المحدث، سأحرص أن أشرح لهم كيف تحوّر فيروس «كوفيد»، ولهذا السبب تحديداً عمدنا إلى تغيير اللقاح، تماماً مثلما نفعل مع لقاح الإنفلونزا كل عام. سأشير إلى أنه في العامين الأوّلين من التطعيم ضد فيروس «كورونا»، جرى إنقاذ نحو 3 ملايين شخص في الولايات المتحدة، وتم النجاح في الحيلولة دون احتجاز قرابة 18 مليون حالة في المستشفى.
وما يؤجج القلق من التردد الذي يستشعره المرضى تجاه الحصول على لقاح «كوفيد» أنهم، بوصفهم من سكان نيويورك، كانوا في الصفوف الأمامية للموجة الأولى الشريرة من جائحة «كوفيد - 19»، التي تسببت في فقدان أفراد من دوائر الأسرة والأصدقاء. وبالتأكيد اصطفاف شاحنات المشرحة المبردة خلف المستشفى الذي أعمل فيه، مشهد لا يمكن أن يُمحى من ذهني بسهولة.
بجانب ذلك، فإن هؤلاء المرضى ليسوا مناهضين لفكرة التطعيم من الأساس، وإنما يأخذون لقاحات أخرى دون أن يأبهوا لأي شيء. كما تلقّى جميعهم تقريباً سلسلة لقاحات «كوفيد» الأولية، وما زالوا يتذكرون جيداً الحاجة الملحة للحصول على التطعيمات التي كان من الصعب العثور عليها في الأيام الأولى. إضافة لذلك، لا يبدو أنهم ينكرون العلم، وإنما يتبنون العلاجات الطبية القياسية لمعظم الحالات الصحية الأخرى التي يتعرضون لها.
وفي كل مرة أواجه فيها مريضاً يشعر بالتردد إزاء لقاح «كوفيد»، يتعين علي أن أقرر ما إذا كنت سأضع جانباً عديداً من المشكلات الطبية الملحة الأخرى وتكريس وقتنا المحدود في محاولة القضاء على هذا التردد. والمعروف أن هذه المناقشات فوضوية وطويلة، ونادراً ما تؤدي إلى تغيير حقيقي في الآراء. ويبقى جزء مني يريد المضي قدماً فحسب، وكذلك تبدو الحال مع مرضاي، بل وفي الواقع البلد بأكمله، لدرجة أن «الإرهاق الوبائي» برز بوصفه مجال دراسة قائماً بذاته.
ورغم ذلك، هناك شيء ما بداخلي لا يبدو مستعداً للتخلي عن المحاولة، خصوصاً أن رفضهم لمرض «كوفيد» على وجه التحديد بالمقارنة مع رفض الإنفلونزا، يثير فضولي وفزعي. ويعاني كثير من مرضاي من مشكلات طبية تُعرّضهم لخطر كبير وهو الإصابة بمضاعفات خطرة حال إصابتهم بـ«كوفيد»؛ مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكري، وأمراض القلب، والسمنة، وأمراض الكلى، والربو. ومع ذلك، فإنهم يرفضون، الواحد تلو الآخر، التدخل الطبي الذي تلقّاه معظمهم بأمان من قبل، والذي يؤدي إلى تحسين النتائج بشكل كبير. والأغرب أنهم عاجزون عن طرح سبب محدد، حتى لأنفسهم. وعليه، أرى أن تجاهل هذا الوضع تصرف خاطئ.
لذلك قررتُ البدء من جديد. وقد أبدأ حديثي مع أحد مرضاي المترددين بعبارة «أخبرني بما يدور في ذهنك،» أو «ما الذي يجعلك تشعر بشكل مختلف تجاه لقاح كوفيد مقارنة بلقاح الإنفلونزا؟»... عبر ذلك، أحاول الدخول إلى المنطقة الرمادية من ردودهم، واستكشاف هذه المشاعر المحرجة.
وعندما يجيب: «لقد حصلت على ما (يكفي) من لقاحات فيروس كورونا بالفعل»، أحرص على البحث في مصدر الشعور بـ«يكفى». قد أسأل حينها: «هل شعرت يوماً بهذه الطريقة تجاه أدوية السكري، أو تصوير الثدي بالأشعة السينية؟» وفي خضم ذلك، أحاول استكشاف كيف يتوصلون إلى استنتاجات حول العلاجات التي يقبلونها، وأحاول فصل القلق الغامض عن المخاوف المحددة.
إن مراجعة الحقائق لا تتعلق بالشروع في إلقاء محاضرة، بقدر ما تتعلق بفحص الاستجابات العاطفية. وفي خضم ذلك، نتحدث بصراحة عمّا يسمعه المرضى في مجتمعاتهم، من عينة أن الوباء قد انتهى، وأن اللقاحات الجديدة تحمل طابعاً تجريبياً أكبر من اللقاحات القديمة، وأن بعض التطعيمات «لا حاجة لها».
يمكن أن يكون هذا اكتشافاً لبعض المرضى عندما يدركون أنهم ربما كوّنوا ردّ فعلهم على مجرد شعور مبهم، وليس معلومات محددة أو معلومات مضللة.
من جهتي، أريد من مرضاي أن يحافظوا على شكوك صحية بشأن أي تدخل مقترح للجسم، سواء أتى من طبيبهم أو من وسائل التواصل الاجتماعي.
يسعدني الحصول على المعلومات من المواقع المرجعية الطبية، مثل «أب تو ديت»، لمراجعة إيجابيات وسلبيات العلاجات. وأحرص دوماً على احترام اختيار المرضى بعدم الموافقة على توصياتي، لكني أريد أن أفهم السبب.
نحن في الطب جيدون إلى حد ما في الاستجابة لمخاوف محددة، وننظم الحقائق والأرقام بسهولة؛ لأن هذه هي الساحة التي نشعر فيها براحة أكبر. والخبر السار هنا أن هذه يمكن أن تكون لحظة بنّاءة وتعاونية في العلاقة بين المرضى والعاملين بالمجال الطبي.
ومن خلال تفكيك هذه الشكوك، أشعر بأن كثيراً من المرضى يكتسبون إحساساً أقوى بالسيطرة. ورغم أنهم لا يشهرون سواعدهم على الفور لتلقي الحقنة، فإنه يحدث تحول واضح في الموقف، ويصبحون أكثر استعداداً للمشاركة في محادثة حول حقائق لقاح «كوفيد»، وكيفية مقارنته بلقاح الإنفلونزا، أو كيفية مقارنته بالإصابة بعدوى «كوفيد».

* خدمة «نيويورك تايمز»

ترددات نوا

Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group