البث الحي

المربع الأول بين العراق وسوريا

فاتح عبد السلام

قبل 3 اسابیع

"جهود الغرب قد فشلت في سوريا" كان هذا عنوان افتتاحيةصحيفة ديلي تلغراف البريطانية اليوم، قالت فيها إن سوريا عادت إلى المربع الأول الذي كانت فيه قبل ثمانية أعوام عندما اندلعت الحرب الأهلية.

والسؤال الذي لم تجب عنه الافتتاحية، هو هل جاء الغرب الى سوريا ليغيير اضلاع المربع الاول الذي تقول أنّ سوريا عادت اليه اليوم؟.

فكرة الديمقراطية اختبرها الغرب في العراق، لم تكن من فصيلة الديمقراطيات التي يتنفس هواءها الغرب في بلدانه، وانما كانت تركيبة انتهازية لمرور مشروع تعثّر مبكراً ولم يكتمل حتى الآن وازداد غموضاً واسفر عن ولادات متعددة للتطرف الديني بأنواعه تحديداً في سياق النتيجة الظاهرة والمستمرة وهي تحطيم كامل للبلد وجعله يستورد الوقود من الخارج وهو من اغنى بلدان الارض بالنفط. بعد ذلك جرت محاولة تحفيز الحلم بالديمقراطية في سوريا بما يجعل الناس تتحرك وراء الحلم متجردة من جميع مكتسبات الواقع، بغض النظر عن نوع السلطة، وكان ذلك من خلال ضخ فوضى المشاريع التي وجدت في سوريا متنفساً لها، فتم القضاء نهائياً على أي أمل لقيام انفتاح ديمقراطي هناك، بل جرى تخويف السلطة من اي انفتاح واصلاحات كان من الممكن ان تولد صغيرة وقد تكبر مع الزمن.

الشيء الذي لا أحد يعيه من مصالح عليا لحياة الشعوب، هو انّ السلطات المطلقة، التي يكرهها الناس، يمكن تقنين تعسفها بحسب افرازات المجتمع وضغوطه الداخلية الذاتية وإن كانت بطيئة وخفيفة التأثير، في حين انّ تشظية المجتمع ونقله من حالة الدولة والسلطة الى الانعتاق  والتحلل من اطر المحافظة على سلميته يحيل الى مشاريع متطرفة لا يمكن تقنينها مطلقاً، وهي أخطر من السلطة المركزية المطلقة.

الآن انتهت الحرب في سوريا عملياً، الغرب خاسر والعرب انكشفوا في انهم كانوا مجرد أدوات عمياء لمشاريع لايدركونها أصلاً، وتركيا لم تكسب شيئاً وتواجه ما لم تكن تواجهه من قبل من اخطار كردية، وايران تفاجأت بأن اللقمة الأكبر لن تكون لها وانما لروسيا، وانها أمام حصيلة لا تساوي شيئاً بالقياس الى خسائرها. أمّا التنظيمات المتطرفة فقد انتهت صلاحياتها، بالرغم من ان عملية تفقيس بيضها بكثافة في سوريا، بات أمراً لا أحد يستطيع التكهن بامكانية السيطرة عليها وعلى آثارها النفسية والاجتماعية لجيل أو جيلين، ليس داخل سوريا وانما في بلدان كانت تظن انها بمنأى عن التطرف. كما انّ التثقيف الطائفي فشل في اظهار انّ السوريين الذين احتضنوا مرقد السيدة زينب عليها السلام مئات السنين غير قادرين على حمايته، وباتوا بحاجة لمليشيات من العراق وايران ولبنان للحفاظ عليه.

بقي في الجانب الآخر ، أصل القصة كلها، وهم السوريون الذين ضحّوا بالسلم الاجتماعي الذي توفره لهم السلطة غير المرضي عنها، من اجل المجهول المحض.

فالسائد في البلاد السورية تنظيمات لا تؤمن بالديمقراطية وتعدها من ادوات الكفر، ضمن تناول مفهومي، مقارب للمفهوم المتداول لدى الانظمة الديكتاتورية. اذن كيف ستتحقق الديمقراطية المنشودة من خلال الخراب الاجتماعي والنفسي في اطار حرب اهلية تارة وخارجية تارة اخرى.؟

كما جرى انتاج الدين السياسي وتقديسه في العراق حتى حصل الانقلاب النفسي المريع، و نبذه المجتمع وعدّه مرادفاً للفساد والفجور والانحلال والخراب والدجل، فقد تمّ تحطيم فكرة الديمقراطية في سوريا وتفتيتها بما لا يتيح أية فرصة لإعادة انتاجها وطنياً، بعد انهار من الدماء التي اشتركت فيها دول العالم، من دون أن تفصح دولة واحدة عن اهدافها الحقيقية في الذي ارتكبته من مجازر في سوريا طوال ثمانية اعوام.

انهم يتحدثون عن النتيجة الصفر، وكأنّ ذلك حدثاً عابراً. ولا يتذكّرون شيئاً، أكثر ممّا قالته تلك الصحيفة البريطانية اليوم في انّ سوريا عادت الى المربع الأول.

المصدر// جريدة الزمان

ترددات نوا

Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group