صبّاغو الجثث!

عبدالزهرة محمد الهنداوي

قبل 2 اسابیع

ثمة مهن، لايمكن ان تنقرض، لانها ترتبط بوجود الإنسان، ومنها على سبيل المثال، مهنة دفن الموتى التي يكنى صاحبها بـ"الدفّان"!، فهذه المهنة، لن تنقرض، فالبشر يتكاثرون، ومن ثم يموتون، وهنا لابد من وجود مَن يقوم بمهمة دفن الذين يموتون، وليس بالضرورة ان تنحصر قضية الدفن بـ"الدفانة" المحترفين، فقد تتولى العملية، جهات اخرى قد تكون مؤسسات حكومية (الدوائر البلدية)، او منظمات إنسانية، او غيرها، هذا إذا كان المتوفون مجهولي الهوية، او ليس لديهم من الاقارب من يتولى دفنهم.

ويبدو ان الاطمئنان على بقاء هذه المهنة، جعل البعض يفكرون باستنباط مهن فرعية، ترتبط بمهنة الدفن، وبما اننا ذكرنا، مهنة الصباغة، -مع وافر التقدير لمن يمتهن هذه المهنة-، فأن "البعض" فكر ودبر، مهنة جديدة، لم تكن معروفة لدينا، تلك هي مهنة "صبغ الجثث"!!.. وقد تستغربون مثل هذه المعلومة، المثيرة، فمَن يقوم بمثل هذه المهمة؟! وهل ثمة ألوان محددة او أصباغ معينة يتم استعمالها لصبغ الجثث؟!، ثم، لماذا يصبغون الجثث أصلا؟!

القضية باختصار ترتبط بواقعنا السياسي، اذ يحاول بعض الساسة، الرقص على جثث الموتى، بعد صبغها بلون معين، وهذه القضية تشبه الى حد كبير، عملية وسم المواشي من قبل أصحابها بلون محدد لكي لاتختلط مع مواشي الآخرين!! وهنا بيت القصيد، فقد تابعنا جميعاً، قضية الجثث المجهولة التي أعلنت محافظة بابل عن دفنها، موضحة ان الجثث كانت محفوظة لدى مشافي المحافظة، تعود لفترات سابقة وتوفي أصحابها بحوادث وظروف مختلفة ومن مناطق المحافظة كافة، ولكن المشكلة، ان بعض الساسة، الذين لاهم لهم سوى اثارة المشكلات واختلاق الأزمات، بدعوى الدفاع عن حقوق هذا المكون او ذاك، وقبل ان يتم الإعلان عن تفاصيل وملابسات وفاة هؤلاء الأشخاص، فقد ملأوا الدنيا ضجيجاً وعويلا، ولكن مالبثوا ان التزموا الصمت المطبق، عندما فاجأهم رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، ساحباً البساط من تحت ارجلهم، ليجدوا أنفسهم حفاة، وهم يدوسون على النار التي اشعلوها، مبادرة الرئيس الحلبوسي بدعوة وزير الداخلية ومحافظ بابل والقادة المعنيين، كشفت الحقيقة، واماطت اللثام عن ملابسات وتداعيات القضية بجميع تفاصيلها، الأمر الذي اسهم في إطفاء فتنة، كادت ان تنطلق نيرانها في الجسد العراقي المثخن بالجراحات، وفي الوقت الذي نبارك مبادرة رئيس السلطة التشريعية في البلاد، فإن لنا بعض الملاحظات المتصلة باداء الحكومة المحلية في بابل، ومن هذه الملاحظات، ان التأخر في اعلان التفاصيل، ترك فراغاً، استغله، ممتهنو، صبغ الجثث، وراحوا يمارسون مهنتهم بكل سهولة ويسر، حتى جاءت مبادرة الحلبوسي، أما الملاحظة الثانية فانها ترتبط، بتأخر دفن الجثث لعدة سنوات، وقد بررت المحافظة ذلك بعدم وجود تخصيصات مالية، ماجعلها تستعين بإحدى المنظمات الإنسانية، لإتمام مهمة الدفن! وهذا التبرير غير مقبول اطلاقاً، فليس من المعقول ان تعجز محافظة عن دفن ٣١ جثة، فكم كان يكلفها ذلك؟!، وكان بامكانها ان تقترض المبلغ من احدى جاراتها المحافظات الأخرى، او من احدى العتبتين الحسينية او العباسية اللتين لاتبعدان عن بابل سوى ٤٠ كيلو متراً فقط.. كما انني لا اعتقد ان الحكومة الاتحادية، ستشح بمبلغ بسيط، لو كانت حكومة بابل طلبت ذلك من مجلس الوزراء، فهناك مبالغ مخصصة للطوارئ، والقضايا الإنسانية، فقد كان حري بالحكومة المحلية ان تسلك كل الطرق المتاحة، وهي كثيرة لتدبير المبالغ المالية المطلوبة لدفن هذه الجثث، بدلا من إبقائها طيلة هذه السنين (٢٠١٦-٢٠١٩)، وهذا التأخير، المزدوج، (تأخير الدفن، وتأخير الإعلان عن التفاصيل) أوجد بيئة خصبة لأصحاب مهنة "صبغ الجثث"!.. ولذلك أقول، ان ماحدث في بابل، ينبغي ان يكون درساً واضحاً للآخرين، لكي لا يسمحوا بتكراره في أي بقعة اخرى من بقاع الوطن، لكي لانعطي فرصة لصباغي الجثث بممارسة مهنتهم، فهذه المهنة، يجب ان تزول نهائياً من قاموس حياة العراقيين .

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group