شعار الاحتجاج العراقي: الخايف خل يتكتر عدنا طلابة وي الأحزاب

د. عقيل عباس

قبل 4 اسابیع

في هذه الأيام العراقية المعبأة بروح الاحتجاج، شاعت أهزوجة شعبية ذكية نصها "الخايف خل يتكتر عدنا طلابة وي الأحزاب" أي "أيها الخائف تنح جانباً فلدينا مواجهة أو معركة مع الأحزاب".

ببساطة لكن بدقة، تمسك هذه الأهزوجة، التي يستخدمها العراقيون في سياقات مختلفة، تتعلق بمواجهة خصم ما، بالمشكلة الاساسية في النظام السياسي العراقي بعد 2003: الإقطاع الحزبي الذي هيمن على الدولة.  فبعد نهاية حقبة العراق البعثي، حيث كان نموذج الحزب الواحد يهيمن على مؤسسات الدولة، ويديرها بمركزية صارمة مستندة إلى رؤية أيديولوجية شمولية، تقاسمت المؤسسات ذاتها أحزاب مختلفة ومتنازعة، حولتها تدريجياً إلى إقطاعيات سياسية هدفها الأهم توفير الموارد والنفوذ للأحزاب التي تديرها.

قانونياً، تأطر هذا التقاسم الإقطاعي للدولة، في البدء بمفهوم الديمقراطية التوافقية، الذي تمحور حول تصنيف مكوناتي معلن للبلد، بوصفه شراكة طائفية-عرقية بين فاعلين أساسين كبار (الشيعة والسنة العرب والأكراد) وآخرين صغار (تركمان ومسيحيين وأزيديين).

كانت الانتخابات تصويتاً سياسياً، لمعرفة حجوم المكونات، وبالتالي تقسيم مناصب الدولة على أساس الحصة البرلمانية لكل مكون، فالمكون الذي يحصل على ربع مقاعد البرلمان مثلاً، يحصد ربع المناصب العليا والدرجات الخاصة في الدولة، بما تتضمنه من وزراء ووكلاء وزراء وسفراء ومدراء وسواها من المناصب المؤثرة، ليصار إلى تقسيم آخر لهذه الحصة بين الأحزاب في المكون علي أساس عدد المقاعد التي حصل عليها كل منها.

عملياً، يعني هذا التقاسم للدولة إضعافاً لسلطة رئيس الوزراء، الذي لم يكن بمقدوره أن يختار وزراء كابينته، ناهيك عن العاملين في مكتبه وكل المناصب العليا والوسطى في مؤسسات الدولة.

كانت الأحزاب تقدم قوائم لمرشحين، على رئيس الوزراء أن يختار بينهم، من دون أن تكون له القدرة على فصلهم أو معاقبتهم في حال سوء أدائهم.

بدورهم، كان هؤلاء المُعيّنون يضمنون مصالح أحزابهم في الدولة، عن طريق تأمين نسب مالية لها من عقود الوزارات والمؤسسات، فضلاً عن تعيين المحازبين فيها، بعيداً عن شروط الكفاءة الوظيفية.

اكتمل ترسيخ نظام الإقطاع الحزبي هذا، عبر قانون انتخاب نسبي جائر يضمن إعادة انتخاب الأحزاب المتنفذة وبقاءها في السلطة، ولا تزال هذه الأحزاب ترفض تعديله.

أدت كل هذه الترتيبات إلى تقطيع أوصال الدولة، وتغلغل الفساد المالي والإداري فيها، وبالتالي غياب فعاليتها التنفيذية، وتناسقها في الأداء، وعجزها التام في ملفات التنمية والخدمات وإعادة الإعمار، وهو ما أدى نهاية المطاف، إلى فقدان الجمهور الثقة بها.

سياسياً، كان يُعرف سلوك التقاسم هذا بالمحاصصة الطائفية والعرقية، وهي التسمية التي كانت ترفضها الأحزاب، وتستخدم بدلاً منها التسمية الدستورية المهذبة "التوازن"سعياً منها لإخفاء حقيقة الاستئثار الحزبي الضيق بنفوذ الدولة ومواردها.

منذ انتخابات 2014 أدى تراجع قوة المكونات، كمظلات سياسية جامعة للأحزاب، إلى بروز أشد لهذه الأخيرة كفواعل سياسية مستقلة، من دون الحاجة إلى الاحتماء بالتشكيلات الطائفية والعرقية الكبرى، التي كانت توفرها لها المكونات (الائتلاف الشيعي، التحالف الكردستاني، الجبهة السنية).

سقوط الموصل في يونيو 2014 وسيطرة تنظيم داعش على ثلث البلد، وما استتبعه من انكشاف الفساد الهائل في الجيش تحت قيادة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، مثّل تحولاً مهماً في الوعي الشعبي، خصوصاً الشيعي، بأهمية مواجهة الفساد باعتباره تهديداً وجودياً للدولة وفاعليتها المؤسساتية، على نحو لا يختلف عن التهديد الذي مثله الإرهاب.

من هنا، برزت نزعة إصلاحية شيعية شعبية، ترى أن إنقاذ العراق كدولة ووطن، لا يتم فقط عبر مكافحة الإرهاب، وهو الغطاء الذي تسترت به الأحزاب الشيعية لتعطيل أي جهد إصلاحي جدي، بل أيضاً عبر إصلاح أداء الدولة، من خلال تخليصها من نظام الإقطاع الحزبى الفاسد المترسخ فيها.

خاضت هذه النزعة الإصلاحية  تحديها الأول لنظام الإقطاع الحزبي هذا في صيف ٢٠١٥ حين اندلعت في بغداد مظاهرات تطالب بالخدمات ومكافحة الفساد، تبعتها مطالبة المرجعية الدينية في النجف رئيس الوزراء حينها حيدر العبادي، بأن يكون "أكثر جرأة وشجاعة في خطواته الإصلاحية" وأن يضرب "بيد من حديد من يعبث بأموال الشعب".

أجبرت هذه الاحتجاجات ومطالبة المرجعية البرلمان المُحرج وقتها، على منح العبادي صلاحيات استثنائية لمكافحة الفساد وتقويض الإقطاع الحزبي الذي يغذيه، لكن سوء استخدام العبادي للصلاحيات الممنوحة له عبر تركيزه على الملفات الخطأ، أضاع فرصة ثمينة لتقليم أظافر الأحزاب واحتكاراتها المحاصصاتية.

منحت احتجاجات العام التالي 2016، التي تزعمها الصدريون، وما رافقها من اقتحام المحتجين المنطقة الخضراء فرصة أخرى، وإن كانت أقل شأناً من فرصة العام السابق، لمواجهة هيمنة المحاصصة الحزبية، عندما عُين خمسة وزراء تكنوقراط من خارج منظومة الأحزاب في ما بدا حينها ضربة مهمة أولى للمحاصصة الحزبية (ظهر لاحقاً أن اثنين منهم جاءا عن طرق حزبية مستترة).

بعيداً عن مدى نجاح تجربة الوزراء التكنوقراط هذه، كان مجرد حدوثها سابقةً مهمة يمكن البناء عليها مستقبلاً، خصوصاً بعد أن ارتبطت المحاصصة الحزبية لدى الرأي العام العراقي بالفساد والتردي الإداري، ليصبح التخلص منها هدفاً سياسياً وشعبياً معلناً، حتى من جانب قوى سياسية كثيرة، كانت تقاتل في السر للإبقاء عليها.

الخيبة الكبرى في مواجهة الإقطاع الحزبي كانت مع تولي عادل عبد المهدي رئاسة الوزراء في سبتمبر 2018. فبدلاً من البناء على النجاحات الجزئية في هذا الملف من عهد العبادي والعمل أكثر لتقويض الإقطاع الحزبي، الذي نص عليه حتى برنامجه السياسي الذي قدمه للبرلمان، سمح الرجل بمزيد من التمدد لهذا الإقطاع. كان ضعف عبد المهدي إزاء الإقطاعيات الحزبية لافتاً ومحبطاً.

لم يصر الرجل، كما كان متوقعاً، على اختيار حتى طاقم مكتبه الرئاسي، وتركه للمحاصصة المألوفة للأحزاب، بل تعداه أيضاً إلى ما هو أخطر عندما تطوع بالعرض على الأحزاب أن تتحاصص في اختيار الدرجات الخاصة، وهي آلاف المناصب الرفيعة في الدولة، كان المالكي عيّن شاغليها بالوكالة، وينتمون في أغلبيتهم لحزب الدعوة.

تعمقت الخيبة بالرجل، عندما لم يقم بأي إجراء لمكافحة الفساد، بل كان سلوكه بهذا الصدد تسويفاً واضحاً عندما أنشأ المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، فيما بدا إصراراً على إعادة اكتشاف العجلة عبر إضافة مؤسسة أخرى لقائمة المؤسسات الكثيرة الحالية وغير الفاعلة لمكافحة الفساد، بدلاً من دفع العجلة الموجودة أصلاً إلى الأمام، عبر تقديم عشرات القضايا الجاهزة المتعلقة بفساد مسؤولين كبار أعدتها حكومة العبادي إلى القضاء. لم يكن الرجل قادراً على أن يستقرئ نفاد صبر الشارع من إعلاناته الإصلاحية التي لم تدعمها أفعاله حتى فؤجئ باندلاع غضب احتجاجي واسع، واجهه، بخطأ فادح آخر، بعنف غير مسبوق منذ 2003 سواء كان هو الذي أمر بهذا العنف، أو لم يعترض عليه عندما اتخذ آخرون القرار بشأنه.

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group