الشريحة المنسيّة

علي يوسف الشكري

قبل 2 اسابیع

تفرز الظواهر الاجتماعية مستجدات لم يهتد ِاليها العقل والمختص، ومن بين هذه الظواهر التظاهرات، التي في الأصل أنها ظاهرة اجتماعية دستورية تعبر عن الاعتراض الشعبي على ظواهر تخالف القانون أو الدستور أو تعبر عن حاجة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية لم تلتفت اليها السلطة أو تنبهت اليها وتجاهلتها.

مظاهر العنف

وبالتالي ليس في التظاهر إشكال يقينا، وليس في بعض مظاهر العنف التي تخالط التظاهر أشكال أيضا بلحاظ اجواء الحماس والشعارات التي قد تُرفع وربما تتجاوز المسموح لا عن قصد ولكن تماشيا مع الظرف السائد، وأحيانا نتيجة عدم معرفة المتظاهر والحامي حدوده، لكن أن يسيل دم وتزهق روح خرجت من أجل الحياة ففي ذلك الإشكال كله، فالمتظاهر لم يخرج يقينا بطرا أو راغباً بالتعب والعناء، ولم يفترش الأرض ويلتحف السماء ويتوقع الصدام والاعتقال والملاحقة عابثاً، لكنه خرج من أجل إسماع صوته وإيصال مطلبه، ويقينا أن التظاهر يسلط الضوء، ويوضح الغامض، ويقرب البعيد، ويحقق غالبا ما غفلت أو تغافلت عنه السلطة، وكثيرا ما يكشف خفايا لم يلتفت إليها أحد، بل لم يكن التظاهر من أجلها، من ذلك ما كشفت عنه التظاهرات العراقية القائمة، فبعد لقاءات عدة جمعتني بفئات شعبية متنوعة متنورة كلها طاقة وطنية، التقيت مصادفة بفئة لم يجول في خاطري في يوم من الأيام حجم الظلامة الواقعة عليها، ربما لأنها لم ترفع صوتها مطالبة بما سلب من حقوقها، أو لأن أحد منها لم يُمكّن كي يُسمع صوتها، أو لأنها وقفت راضية بما هي فيه متجنبة الإشكال والتظاهر والاحتجاج، فأضحت شريحة منسية. أنها شريحة أصحاب البشرة السمراء، التي تجاوز عددهم في العراق حسب ما أعلموني المليوني نسمة، ويقيناً أن هذا الرقم الكبير سيثير استغراب من سيطلع كما أثار استغرابي!!! وفي مقاربة بسيطة طرحها أحد ممثلي هذه الشريحة أن أحدا منهم لم يتولى منصب مدير عام، ويقيناً أن من لم يولَ الأدنى لا يولى الأعلى، فليس من بينم وكيل وزارة ولا وزير ولا رئيس هيأة ولا قائداً في الجيش أو الأجهزة الأمنية، وليس لهم ممثل في مجالس المحافظات ولا في مجلس النواب، فهل من المنطق نسيان هذه الشريحة وإهمالها؟ وكيف لشريحة بحجم هذه الشريحة أن توالي وطن يُحملها الغرم ويتجاهلها في الغنم؟ وهي واقعا كلها ولاء ووطنية ونبض في حمل هم الوطن، وهو ما يدعوني للانحناء أمامها احتراما واكبارا، فمثل هذه الشريحة تستحق كل التقدير فقد حُرمت من كل أبجديات المواطنة ومستلزمات الولاء، وهي توالي وتقف وتدافع وتذود، ويقيناً أن في الحيف إشكال كبير لكن الإشكال الأكبر في استمرار الحيف بعد جلاء الصورة واستبيان الحقيقة، وربما في الإنصاف المتأخر تضميد لبعض الجراح، لكن أن لا تنصف هذه الشريحة بعد بيان ظلامتها ففي ذلك تعميق للجراح بل تقريح لها. لقد وقف أفراد هذه الشريحة دائما إلى جانب الوطن في شدته ولم يقف الوطن إلى جانبها في رخاءه وديمقراطيته، وإذا كان الزائل الراحل عمل على إهمال هذه الشريحة ولم ينصفها كما اهمل الغالب من شرائح ابناء الوطن، فعلى القادم الجديد تضميد جراحاتها وتعويضها عما فات وعما لحق بها من حيف وظلم وظلامة، بلحاظ ما تعرض له رجالات العهد الجديد من ظلم وملاحقة وخوف وتهديد وتهجير، فمن ظُلم لا يظلم، ومن أُهمل لا يهمل ومن قُهر لا يقهر، ذهبت الشمولية وجاءت الديمقراطية التي انتظر قدومها المظلوم طويلا، فليس من بأس في ظلامة الديكتاتور لكن الظلامة كلها في قهر واهمال النظام الديمقراطي، ففي إهمال فئة قليلة ظلم فما بالك باهمال شريحة كبيرة ناضلت وقاتلت وقدمت وضحت وشغلت ولما تزل نسبة من الشعب لا يستهان بها.

فئة هشة

وبعد كشف الستار عن المخفي آن الأوان لإنصاف هذه الفئة الهشة وتمكينها من أجل اداء المنتظر منها والمرجو فيها، فبين أفراد هذه الشريحة الأستاذ والطبيب والمهندس والمدرس والفني والخبير، وفي الدولة مناصب وأماكن لم تشغل وحاجات لم تسد، وإن لم يكن فيها فلابد أن يكون فيها، فظلم كبير أن يظلم أبن الوطن لا لشيء الا للون بشرته، وخفوت صوته، وسلميته أداته وقبوله بالقليل وتحاشيه الضجة، ووقوفه في صفوف المترقبين بانتظار من ينصفه، ونعتقد أن أولى خطوات الإنصاف تعديل قانون انتخاب مجالس المحافظات على نحو يخصص نسبة من المقاعد لشريحة البشرة السمراء باعتبارهم أقلية عددية، وإسناد بعض المناصب القيادية لهم وحسب الحاجة والكفاءة والقدرة، ثم الانتقال للقانون المنظم لانتخاب المجلس النيابي للنظر لافراد هذه الشريحة ومساواتها بغيرها ممن شملهم نظام الكوتا، فإنصاف المظلوم حق وفضيلة، فالبلاد لا تبتنى الا بابنائها، وتهيأت مستلزمات الولاء أولى خطوات البناء، فالبلاد قد تعتمد الأجنبي في البناء المادي والإعمار ،لكن الولاء يبقى لابن الوطن وهو من يفتدي ويدافع ويدفع وقد يستشهد من أجل الذود ودفع الخطر والعدوان، ويقينا أن واجب الوطن اليوم والقائم على أمره ترميم ما تصدع من شعور المواطنة بفعل سياسات الراحل وهو دليل الوطنية وسند الديمقراطية، فالديمقراطية مظاهر وممارسات ومستلزمات أن تهيأت كان النظام ديمقراطي وإن غابت اضحى النظام شموليا مستبدا، فسارعوا لإنصاف المظلوم وتعويض المضطهد وتمكين المقهور من أجل بناء وطن حر سعيد ينعم في ظله ابناءه بالحرية ويستشعر الجميع أنه يقف على مسافة واحدة من الحقوق والحريات، فلا لوم على الوطن في زمن الأزمة والقهر لكن اللوم كله يقع عليه وعلى القائم على أمره إذا فرق بين ابناءه في زمن الديمقراطية والرخاء.

ترددات نوا

  • الأكثر قراءة
  • احدث الاخبار
Copyright © 2017 - Radio Nawa. Designed and Developed by Avesta Group