شهدت الأيام القليلة التي سبقت انطلاق بطولة
كأس العالم 2026 أزمة رياضية ذات أبعاد سياسية وتاريخية عميقة، إثر قرار الاتحاد
الدولي لكرة القدم (فيفا) بإجبار منتخب هايتي على إعادة تصميم قمصانه الرسمية لحجب
رسومات تاريخية تُجسّد معركة "فيرتيير" التي دارت رحاها في 18
نوفمبر/تشرين الثاني 1803.
ورغم تذرع الفيفا بمخالفة هذه الرسومات للوائح
البطولة المتعلقة بالشعارات السياسية، إلا أن هذا المنع يفتح الباب لقراءة أعمق
تتعلق بالانزعاج الغربي المستمر من الرمزية الجذرية التي تمثلها هايتي باعتبارها
أول جمهورية سوداء حرة في العالم وُلدت من رحم ثورة قادها العبيد وأطاحوا فيها
بأعتى قوة استعمارية في ذلك العصر.
تعود جذور الحكاية إلى القرن الثامن عشر عندما
كانت الجزيرة تُعرف باسم "سان دومينغو"، وتعد أغنى مستعمرة فرنسية على
الإطلاق بفضل الإنتاج الهائل للسكر والبن القائم على حسابات قاسية تستنزف دماء
العمال المستعبدين الذين تجاوز عددهم 465 ألف شخص بحلول عام 1789.
في هذه البيئة المشحونة بالطبقية الشديدة
والتفرقة العرقية، شكّلت ديانة "الفودو" ولهجة "الكريول"
عناصر هوية موحدة ووسائل مقاومة حاسمة لجماعات "المارون" (العبيد
الهاربين إلى الجبال).
وعندما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 حاملةً
شعارات الحرية والإخاء، تبين زيف الكونية الغربية عبر صياغات ملتبسة في إعلان حقوق
الإنسان استثنت صراحةً شعوب المستعمرات، مما دفع المستعبدين في سان دومينغو إلى
انتزاع حريتهم بأيديهم دون انتظار منة من المشرعين في باريس.
انطلقت الثورة الهايتية في صيف عام 1791، وبرز
فيها فرانسوا دومينيك توسان لوفرتور كأحد أعظم القادة السياسيين والعسكريين السود
في عصره.
ناور
لوفرتور بعبقرية بين القوى الاستعمارية المتصارعة (فرنسا، وإسبانيا، وبريطانيا)،
وأجبر فرنسا على إلغاء العبودية رسمياً ومنح الجنسية للمستعبدين عام 1794 في عهد
روبسبير.
لكن المحاولة الكارثية لنابليون بونابرت عام
1802 لإعادة فرض العبودية بالقوة العسكرية أدت إلى أسر لوفرتور وموته في سجن
فرنسي، وهو الخطأ الذي تراجع عنه نابليون نادماً في مذكراته لاحقاً بعد أن تحول
المشهد إلى قتال مستميت خاضه الهايتيون خشية العودة إلى الأغلال.
توجت هذه الملحمة بمعركة "فيرتيير"
الحاسمة عام 1803 بقيادة جان جاك ديسالين وألكسندر بيتيون، معلنة استقلال هايتي
التام وموجهة صدمة عنيفة لمجتمعات العبيد والقوى الاستعمارية في العالم الجديد.
قوبل هذا الانتصار التاريخي بـ "خنق
اقتصادي وسياسي" غير مسبوق؛ حيث رفضت الولايات المتحدة الاعتراف بالدولة
الفتية لعقود، وفرضت فرنسا عام 1825 تعويضات مالية باهظة تحت تهديد السلاح بلغت
150 مليون فرنك ذهبي بزعم تعويض الملاك السابقين، مما أغرق هايتي في ديون
استعمارية جديدة استمرت لأكثر من قرن واستنزفت عشرات المليارات بقيمة اليوم.
ورغم هذا الحصار، بقيت هايتي منارة للتحرر، إذ
اشترط رئيسها ألكسندر بيتيون على المناضل سيمون بوليفار إلغاء العبودية مقابل
تزويده بالدعم المادي والعسكري، وهو ما تحقق لاحقاً بتأسيس جمهورية كولومبيا
الكبرى وتحرير العبيد فيها، لتنتشر موجة التحرر تباعا في أمريكا الجنوبية وصولاً
إلى تونس التي كانت السبّاقة عربياً وإسلامياً بحظر العبودية عام 1846.
يقودنا هذا التعتيم المعاصر لقميص المنتخب
الهايتي إلى الأطروحة الفكرية لأستاذ الأنثروبولوجيا الهايتي ميشيل-رولف ترويو في
كتابه "إسكات الماضي: السلطة وإنتاج التاريخ"، حيث يوضح كيف تعمل البنى
السياسية والاقتصادية المهيمنة على إنتاج "كمّ هائل من الصمت" في
الأرشيفات والسرديات الغربية طمسًا للأدوار الجذرية للشعوب غير البيضاء.
فالثورة الهايتية كانت حدثا "غير قابل
للتصور" في الفلسفة والتأريخ الغربي لأنها حطمت المركزية العرقية القائلة
بعدم قدرة الإنسان الأسود على قيادة مسار تاريخي مستقل.
إن محاولة حجب معركة "فيرتيير" اليوم
عن شاشات المونديال ليست مجرد امتثال للوائح إدارية جامدة، بل هي امتداد لعملية
الإسكات التاريخي المستمر دفاعاً عن تراتبية ثقافية تخشى تذكير العالم بأن الحرية
لم تكن يوماً هبةً من المشرع المستعمر، بل انتزاعا شجاعاً من أيدي الأحرار.