العراق بين مطرقة واشنطن وسندان طهران: قراءة في مخاض "حكومة التحديات الجسيمة
قبل 3 ساعة
يواجه العراق اليوم واحدة من أعقد مراحل الاستعصاء السياسي في تاريخه الحديث، حيث لم يعد اختيار رئيس الحكومة شأناً داخلياً يُحسم في أروقة بغداد فحسب، بل تحول إلى ساحة اشتباك دولي وإقليمي. وفي قراءة تحليلية معمقة للمشهد، يرى الكاتب والباحث السياسي زياد العرار أن العراق بات محاصراً بين رؤية أميركية حازمة وواقع سياسي داخلي متجذر، ما يجعل أفق الحل محكوماً بمعادلة "القوة والصدام" لا "التوافق والمهادنة".
1. سلاح "الدولار": واشنطن تضيق الخناق الاقتصادي
بدأت واشنطن منذ نحو عامين باستخدام "القوة الناعمة الخشنة" لإعادة رسم معالم السلطة في بغداد. وبحسب العرار، فإن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بالبيانات السياسية، بل أحكمت قبضتها على تدفق الدولار نحو العراق.
تتبع المسارات: تسعى واشنطن بصرامة لتتبع مسار كل دولار يخرج من الفيدرالي الأميركي لضمان عدم وصوله إلى طهران.
المال كأداة ضغط: رغم أن هذه الأموال عراقية بالأصل، إلا أن إدارة "دونالد ترامب" تستخدمها كأداة ضغط فعلية لتحديد مواصفات الحكومة المقبلة، بحيث تكون أقل ارتباطاً بإيران وخالية من الأطراف التي تمتلك أجنحة مسلحة.
2. الترقب الداخلي: الإطار التنسيقي وفخ "الرئيس التوافقي"
على الصعيد الميداني في بغداد، كشف العرار عن حالة من التوجس دفعت "الإطار التنسيقي" إلى تأجيل اختيار رئيس الحكومة. هذا التأجيل ليس مجرد إجراء فني، بل هو حالة ترقب للتطورات الإقليمية (واشنطن وطهران) قبل اتخاذ قرار مصيري.
هشاشة التوافق: يحذر العرار من أن الذهاب نحو "اسم توافقي" لن يحل الأزمة؛ فالرئيس التوافقي سيكون أضعف من أن يواجه التحديات الكبرى، وسيبقى رهينة لإرادات الكتل التي أتت به.
صحوة داخلية: يبرز العرار تحولاً لافتاً بظهور أصوات داخل الإطار نفسه تطالب بإنهاء عهد "الشخصيات الصورية" والبحث عن شخصية تمتلك قدرة حقيقية على تحمل المسؤولية.
3. المحاصصة: الإمبراطوريات المالية التي ترفض التغيير
يشخص العرار العائق الأعمق في بنية الدولة العراقية، وهي منظومة المحاصصة التي اخترقت كل شيء (من الرئاسات الثلاث إلى أصغر وزارة).
الانتفاع من الواقع: يرى العرار أن غالبية القوى السياسية "غير جادة" في التغيير؛ لأن النظام الحالي أتاح لها بناء إمبراطوريات مالية ونفوذ واسع لم تكن تحلم به، مما يجعل الدفاع عن "المحاصصة" دفاعاً عن المصالح الشخصية لا عن الديمقراطية.
ازدواجية الخطاب: هناك فجوة هائلة بين التغني بالديمقراطية أمام الكاميرات، وبين البحث عن "صفقات خلف الكواليس" تتجاوز نتائج الانتخابات وإرادة الشعب.
4. الحل المستحيل: شخصية من الداخل لمواجهة الداخل
في خلاصة تحليله، يضع العرار تصوراً "صادماً" للحل. فهو يرفض تماماً خيار الشخصية البيروقراطية أو المدنية المستقلة، معتبراً إياها "ولادة ميتة" لأنها ستكون عاجزة أمام سطوة الكتل.
المعادلة الصعبة: يكمن الحل – حسب العرار – في اختيار شخصية من قلب الإطار التنسيقي، ولكن بشرط أن تكون هذه الشخصية "قوية" بما يكفي لتقول "لا" للإطار نفسه، و"لا" للتدخلات الخارجية، وتعمل على تحييد العراق عن صراعات المحاور.
الخاتمة: أهداف بعيدة المنال
ينتهي التقرير بانتصار الواقعية السياسية على الأماني؛ فواشنطن لم تجد حتى الآن الطرف "البغدادي" الذي يمتلك القدرة والشجاعة لتنفيذ رؤيتها، بينما القوى الداخلية ما زالت غارقة في حسابات المحاصصة والترقب. وبين هذا وذاك، يبقى العراق في حالة "استنزاف" بانتظار شخصية تمتلك الجرأة لكسر هذه الدائرة المغلقة.